حبُّ الله رؤيته أثر نعمته على عبده

أحمد عبد زيد الجبوري..
في ديننا الحنيف، تُعد النعم منحة إلهية تستوجب الشكر لا الجحود، والاعتراف لا الإنكار، لكن هذا الشكر لا يقتصر على مجرد قول (الحمد لله) باللسان، بل يتجاوز ذلك إلى أفعال وسلوكيات تعكس الامتنان الحقيقي للمنعم، لقد قرن الله تعالى زيادة النعم بالشكر، فقال سبحانه في كتابه الكريم: (لئِنْ شكرتم لأزيدنكم)، هذه الآية العظيمة تؤكد أن الشكر ليس مجرد فضيلة، بل هو شرط أساسي للبركة والزيادة في كل خير.
ومن هنا يأتي الحديث النبوي الشريف: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) ، ليقدم لنا قاعدة إيمانية وسلوكية عظيمة، تؤكد أن الشكر الحقيقي هو ما يظهر في حياتنا اليومية، ويتحول إلى سلوكيات إيجابية تعكس كرم الله وفضله، فالحديث ليس دعوة للتفاخر بالمال أو الممتلكات، بل هو توجيه نبوي للإنسان بأن يكون مظهرا لنعم الله عليه، بحيث يرى الناس في حياته وعمله وتصرفاته أثر فضل الله ورحمته، فيكون قدوة حسنة ودليلا على أن النعم إذا شُكرت فإنها تدوم وتنمو، إن هذا الحديث يفتح أمامنا آفاقا واسعة لفهم عميق لمعنى الشكر، ويجعل منه عملا حيا ملموسا، لا مجرد كلمات جوفاء.
النعم الإلهية في حياة الإنسان
إن الحديث الشريف الذي يتحدث عن (أثر النعمة) يدعونا إلى التأمل في طبيعة هذه النعم نفسها، فالعطاء الإلهي ليس مقتصرا على جانب واحد من حياتنا، بل هو فياض وشامل، يمتد ليشمل كل ما نعيش به ونتفاعل معه، إن النعم التي يمنحها الله لعباده أوسع وأعمق مما نتصور، ومنها:
نعمة الإيمان
في مقدمة هذه النعم تأتي نعمة الإيمان، إنها الهداية التي مَنَّ الله بها على البشر، والتي لا يمكن أن يوازيها أي شيء آخر، فالإيمان هو أساس السعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة، وهو النعمة التي تفتح أبواب كل النعم الأخرى، وقد ذكر الله ذلك في كتابه العزيز: (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) ، فالإيمان ليس إنجازا بشريا يفتخر به، بل هو هبة إلهية عظيمة ومنحة سماوية لا يمكن للإنسان أن يحصل عليها بجهده دون توفيق من الله سبحانه وتعالى.
نعمة الصحة والفراغ
وإلى جانب نعمة الإيمان، هناك نعم لا تُحصى قد يغفل عنها الكثيرون، وفي مقدمتها نعمة الصحة والفراغ، وقد حذر النبي (صلى الله عليه وآله) من التهاون في شكرها، فقال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ)، فكثير من الناس لا يدركون قيمتهما الحقيقية إلا بعد فوات الأوان.
إن الصحة هي أساس كل شيء، بها يستطيع الإنسان أن يؤدي عباداته، وأن يسعى في طلب رزقه، وأن يخدم مجتمعه، فالنعمة تُترجم إلى أفعال صالحة، كمساعــدة الآخرين، والقيام بالعبادات مثل قيام الليل والجهاد في سبيل الله، وقد جاء في الحديث الشريف: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)، والقوة هنا تشمل القوة البدنية التي تستخدم في طاعة الله عز وجل.
نعمة العلم والمعرفة
كذلك نعمة العلم والمعرفة، فهي نور يضيء الدروب، وبه يرتقي الإنسان وينهض المجتمع، إنها نعمة لا تفنى، بل تزيد بالإنفاق منها، وقد حث النبي (صلى الله عليه وآله) على طلب العلم، وجعل له منزلة رفيعة، فقال: (من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به، وأنه ليستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وأن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر)، وقال (صلى الله عليه وآله): (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، أو صدقة تجري له، أو ولد صالح يدعو له) ، مما يؤكد أن العلم لا يكتمل شكره إلا ببذله ونشره.



