اخر الأخباراوراق المراقب

النهضة الحسينية.. ثورة ثقافية ضد الجهالة

مرتضى معاش..

(فَأَعْذَرَ فِي الدُّعاءِ وَمَنَحَ النُّصْحَ وَبَذَلَ مُهْجَتَهُ فِيكَ لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الْجَهالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلالَةِ، وَقَدْ تَوازَرَ عَلَيْهِ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا، وَباعَ حَظَّهُ بِالْأَرْذَلِ الْأَدْنَى وَشَرَى آخِرَتَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوْكَسِ، وَتَغَطْرَسَ وَتَرَدَّى فِي هَواهُ، وَأَسْخَطَكَ وَأَسْخَطَ نَبِيَّكَ، وَأَطاعَ مِنْ عِبادِكَ أَهْلَ الشِّقاقِ وَالنِّفاقِ، وَحَمَلَةَ الْأَوْزارِ الْمُسْتَوْجِبِينَ النَّارَ).

من النهضة الحسينية العظيمة نستلهم تلك الدروس والقيم، من أجل أن نتغير في حياتنا نحو الأحسن، وأن نكون ثابتين على ولاية أهل البيت “عليهم السلام”، وأن نكون من الذين يحيون نهج الإمام الحسين (عليه السلام)، من خلال تحويل نهضته الى حركة حضارية ومعرفية وثقافية شاملة.

فهذه النهضة قامت على مبدأ أساسي وهو إثبات الإسلام الحقيقي، وكشف الحقيقة عن الإسلام المزيف، عبر تفنيد التضليل العميق الذي مارسه بنو أمية، هذا التضليل الذي شوّه صورة الإسلام الحقيقي، بمحاولتهم ان يصنعوا إسلاماً مزيفاً يتناسب مع مقاساتهم.

ومن هنا فإننا نحاول ان نستفيد من النهضة الحسينية في عملية مواجهة الغزو الثقافي الذي يركب صهوة التطور التكنولوجي الهائل الذي يبث تموجاته الإنترنيتية الفضائية في كل بيت وزاوية ومكان، تموجات تبث أفكاراً غيرية تشوه فطرة الانسان وتتلاعب بتفكيره، مما يؤدي الى استلاب هوية الانسان وتزلزل ثقافته، وإحداث انحراف عقائدي راسخ، فالانحراف العقائدي والفكري هو نتيجة مؤكدة لعدم تحمّل الكثير من الناس وعدم قدرتهم على مواجهة هذا التموج التسونامي الثقافي الكبير الآتي من الخارج، بحيث أصبح الإنسان متلبسا بثقافة غيره خارج إطار التفكير الإسلامي.

استلاب هوية الأمة واغتراب الفرد

عندما نلاحظ أسلوب الحياة الرائج في هذا العصر، نجد أنها أصبحت حياة مستوردة من جميع الجهات، الاستيراد مسيطَر علينا في مقاطع معيشتنا، فأصبحت الشخصيات والهويات والمجتمعات مستلبة ثقافيا خارج الإطار الفطري والتفكير الإسلامي، وهذه أزمة حضارية تؤدي إلى استلاب هوية أمة بكاملها وتغيير نهجها، وبالنتيجة انحرافها عن الطريق المستقيم.

هذه الموجات المتتالية من الغزو الثقافي الغربي، الغرض منها تسطيح تفكير المجتمع، فإذا كان المجتمع عبارة عن أفكار سطحية معلبة فانهم يستطيعون من خلال ذلك السيطرة على هذه المجتمعات والتحكم بها، لذلك هم يقومون ببث التفاهات السامة بين مختلف المجتمعات حتى يتسطح تفكيرهم، وبالتالي استلاب هويتهم الثقافية وانتمائهم الاجتماعي المشترك، الى العيش الفردي والانفصال التام عن المجتمع، بل التحول الكامل الى الفردية المفرطة التي تؤسس الى الانعزال الاجتماعي التام وتفكك العلاقات الاجتماعية، واغترابه عن الآخرين الى حد كرههم.

وبابتعاده عن الآخرين يصبح الفرد ضعيفاً، غير مرتبط بحاجاته وغاياته وثقافته الاجتماعية، وغير مرتبط بمناسبات المجتمع وعاداته وشعائره، وإذا ارتبط الى حد ما فإنما هو مرتبط بطريقته الخاصة في الحياة محورها الأنا وسلوكها الانانية، لذلك يرتفع عنده مستوى اللامبالاة وعدم المسؤولية بكل ما يرتبط بغايته الإنسانية والوجودية، فالغزو الثقافي يؤدي إلى عملية استغراق الفرد في الجسد، فيتمحور حول ملذاته الذاتية فقط.

حداثة الاستغراق في الجسد

يفكر كيف يأكل، كيف يسافر، كيف يتمتع، كيف يلبس الملابس، كيف يقتني الممتلكات، فتكون مسؤوليته على نفسه فقط وليس تُجاه المجتمع، لذلك نلحظ أن الإنسان تزداد عنده حالة الاستهلاك، يشتري الأشياء التي لا يحتاجها وأكثر، فيصبح نهماً مكدساً لأنه لا يشعر بالشبع بل لا يشبع أبدا، فمن أهداف الغزو الثقافي حصر الفرد في أفكاره الجسدية البحتة، والابتعاد عن الحالة المعنوية، التي تجعله أكثر قرباً لحقيقته الانسانية في الحياة ممتلئاً بالأفكار والعقائد الصالحة، وليس مجرد جسد خاوٍ.

ومن هنا، فإن اهداف الغزو الثقافي كلها تلتقي في غاية واحدة، وهو تكريس الجهل المفرط، أن يكون الإنسان جاهلا غير عالم بطريقته وأسلوبه وهدفه في الحياة، وماذا يريد منها، وكيف يجب أن يفكر، وكيف تكون عقيدته، ومن أين يستقي ثقافته؟.

الحداثة في هذا اليوم هي جميلة لما يظهر للبصر، فكل شيء أصبح في الظاهر تقدمياً، والحياة باتت مضيئة نهاراً وليلاً، ويتصاعد الصخب الكثير والوهج المثير، وترتفع العمارات الشاهقة، وتتوسع المولات المنتفخة، وتنوعت التكنولوجيا بأشيائها المسيّلة للعاب من الهواتف الذكية، والسيارات الفارهة.

وهذه الحداثة التي تبشر بالتجديد وبالانفتاح والعصرنة هي حداثة مادية بحتة، وهي من أهم أدوات الغزو الثقافي، حيث كل ما يتعلق بالحداثة هدفه الغزو الثقافي، وتحطيم الإنسان كإنسان وجودي بأن تجعله عدميا وحيدا منعزلا يعيش في هذا العالم المادي على هامشه الاستهلاكي.

الاستنقاذ من الاستغراق المادي

الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته الاصلاحية، كان هدفه الأساسي هو تحطيم هذه العدمية البائسة، وتغيير التفكير المادي، عبر استنقاذه من الاستغراق في الحالة الدنيوية، والانغماس المطلق في الملذات الجسدية، عندما قال “عليه السلام”: ((النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُون)، فتفكيك تلك الثقافة المادية عبر الإصلاح الجاد، هو الخطوة الأولى في مواجهة الغزو الثقافي وفضح ذلك التضليل الذي يريد أن يجرد الإنسان من إنسانيته.

فالحداثة التي سيطرت على العالم اليوم تسلب كرامة الإنسان وتجعله بلا هوية، فقد أصبحت الحداثة عنوانها الانحلال والانحطاط، والابتذال والتفاهة، ليتحول الإنسان الى مجرد سلعة، يتاجرون به.

الايقاظ من النوم العبثي

واليوم عندما يتم إحياء عاشوراء وزيارة الأربعين، فإننا نعيد إحياء روح ذلك الإنسان المنغمس في العبثية المادية، عبر ما يفهمه من كلمته الخالدة (عليه السلام): (وإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً)، ويقصد من ذلك، أن الحياة الحقيقية والسعادة المطلوبة تتحقق عندما يكون الإنسان حيًّا في داخله، في معناه الوجودي وغلبة روحه على جسده، وتبلور هويته في كرامته. فالإصلاح الحسيني هو استعادة الإنسان المسلوب، وإرجاعه وتخليصه من ذلك العمى، وايقاظه من النوم العبثي، فاليقظة هي استعادة الانسان لوعيه ورؤيته الواضحة لغاياته الحقيقية في الحياة.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (مَا لِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلَا أَرْوَاحٍ وَأَرْوَاحاً بِلَا أَشْبَاحٍ وَنُسَّاكاً بِلَا صَلَاحٍ وَتُجَّاراً بِلَا أَرْبَاحٍ وَأَيْقَاظاً نُوَّماً وَشُهُوداً غُيَّباً وَنَاظِرَةً عَمْيَاءَ وَسَامِعَةً صَمَّاءَ وَنَاطِقَةً بَكْمَاءَ…)، فالإيقاظ من الاستلاب الذاتي للوعي يؤدي الى تحول عميق لفهم الحياة، ونفض الحياة الرتيبة التي يتعايش فيها النائم كأنه ميت مع الملل والكسل والظلم والفساد.

فالإنسان الذكي ينتفض من نومه ويخلص نفسه من الأمراض المعنوية التي يوقع بها نفسه، وقد قال عن ذلك الإمام علي (عليه السلام): (أَ مَا مِنْ دَائِكَ بُلُولٌ أَمْ لَيْسَ مِنْ نَوْمَتِكَ يَقَظَةٌ)، وكذلك قوله (عليه السلام): (فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَةِ فِي قَلْبِكَ بِعَزِيمَةٍ وَمِنْ كَرَى الْغَفْلَةِ فِي نَاظِرِكَ بِيَقَظَةٍ).

فالهدف من إحياء نهضة الإمام الحسين وشعائرها مثل زيارة الأربعين، هو تحقيق يقظة الذات، من الجهل المدقع، فاليقظة هي حالة من الوعي والإدراك بحيث لا يكون الإنسان سطحياً في حياته، عاجزاً عن التفكير، فهذه اليقظة تعالج الذات وتحررها بالفهم من عبودية الجسد، حيث كل المشكلة تكمن في هذه العبودية، فمعظم الناس يفكر فقط ماذا يريد أن يأكل أو يلبس غدا؟ بما يعني ان كل ذاته هو جسده، لذلك يكون هذا الإنسان غير سعيد في حياته مهما أكل أو لبس، لأن جسده مجرد جسد يكون ميتاً بلا روح. فالروح هي التي تحقق القيمة في الانسان، فالروح في حقيقتها الجوهرية كبيرة بكبر الكون، (أتحسب نفسك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر)، فلا يختصر الإنسان نفسه في هذا الجسد الضئيل.

الايقاظ وبناء التقوى

ان الشعائر الحسينية وزيارة الأربعين هي يقظة لاستعادة الذات، وتحرير الإنسان من ذلك الجسد، لأنها تؤدي الى بناء التقوى في الإنسان، (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج32.

ذلك أن الشعائر في غاياتها تنقل الإنسان من حالته المادية والجسدية الى الحالات المعنوية والقلبية. وعندما تكون عند الإنسان حالة من التقوى، وقبل التقوى لا بدَّ له من الوقاية بالتورع عن محارم الله، وبالوقاية المستمرة تصبح التقوى ملَكَة وحالة ثابتة راسخة عند الإنسان، فيصبح الإنسان قوياً في ذاته المعنوية، وليس هشاً بهيمنة جسده وملذاته.

وكذلك فإن يقظة الذات التي نحصل عليها من الشعائر الحسينية وزيارة الأربعين تؤدي الى التوبة والإصلاح الذاتي الذي يتحول بالنتيجة الى الإصلاح العام، وقد ينطبق هذا المعنى في هذا الحديث المروي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (من أتى قبر الحسين عارفاً بحقه، غفر الله له من ذنبه ما تقدّم وما تأخّر). فالتوبة تؤدي الى اليقظة وانتباه الإنسان وعدم غفلته عن المعاصي والذنوب التي قد يقع فيها.

زيارة الأربعين استنقاذ من العالم المضجر

ولكن نحن عندنا نعمة كبيرة، وهما شهرا محرم وصفر، وشعائر عاشوراء وزيارة الأربعين، التي تنقذنا من ذلك العالم المليء بالجهالة وحيرة الضلالة، إلى عالم جميل وهو عالم المسؤولية الاجتماعية، والعطاء المطلق.

وهو العطاء الذي لا نريد من ورائه (جزاءً ولا شكوراً)، هذا هو العطاء يسمو به الانسان معنوياً وأخلاقياً، فلا يتوقع بأنه سوف يحصل على شيء ما نتيجة لفعل الخير، (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)، سورة الإنسان، الآية 9.

ان زيارة الأربعين هي نعمة إلهية، من أجل مواجهة كل التحديات التي نواجهها في الحياة المعاصرة، حيث تنقذنا وتنتشلنا من ذلك العالم المضجر كما في عبارة الزيارة الواردة في الأربعين، (لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلالَة)، والتشديد هنا على مفهوم الاستنقاذ بدل الإنقاذ يدل ويؤكد أهميته، فالاستنقاذ هو عملية طلب الإنقاذ كفعل وليس انفعالا، فالاستنقاذ يأتي على وزن الاستفعال، مثل الاستخراج، والسين للطلب وطلب الإنقاذ، لذلك فإن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، تعني في مضامينها العميقة، استنقاذ أنفسنا أولا، والآخرين ثانيا، فهي عملية انقاذ مستمر ومتجدد لا يتوقف ابدا، حتى تتم إعادة إحياء الإسلام الذي بذل الإمام الحسين (عليه السلام) مهجته فيه، وهذا الإحياء هو غاية التكامل بين رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبين الإمام الحسين (عليه السلام)، (حسين مني وأنا من حسين)، وهي ليست فقط علاقة بين جد وسبط، ورسول وإمام، بل هي رسالة متكاملة مستمرة في استنقاذ الانسان من الجاهلية والانحراف الذي حصل بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فالإمام الحسين (عليه السلام) هو الذي يحيي الرسالة الإلهية ويستنقذ بدمه الطاهر، الإسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى