اراء

مفاجآت ترامب والرد الروسي

بقلم: رامي الشاعر..

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض منذ أيام إنه “يعد مفاجأة صغيرة” تجاه موسكو.

كما أعرب ترامب عن “عدم رضاه” إزاء موقف القيادة الروسية من النزاع في أوكرانيا، بعد أن كان قد أبدى “خيبة أمله” عقب محادثته الأخيرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 3 يوليو الجاري.

وكان البنتاغون، عشية تلك المكالمة، قد علق توريد بعض الصواريخ المضادة للطائرات وذخائر أخرى عالية الدقة إلى أوكرانيا، فيما قيل حينها إن القرار اتخذه وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث “دون العودة إلى البيت الأبيض”، فيما يقول رئيس الدائرة السياسية للبنتاغون إلبريدج كولبي، وفقا لـ “بوليتيكو”، إن القرار قد اتخذ في أوائل يونيو الماضي بعد “تفتيش مخزونات الذخيرة”، والسبب في ذلك هو نقص مخزونات البنتاغون التي كشف عنها التفتيش.

وبعد مكالمة 3 يوليو مع بوتين، يبدو أن الرئيس ترامب، بعدما اصطدم بموقف الرئيس بوتين الواضح والصارم والثابت، قد أصدر أوامره باستئناف توريد الأسلحة لنظام كييف، ظنا منه أنه يضع بذلك ورقة “رابحة” في التفاوض مع موسكو، بدعمه العصابة النازية الأوكرانية.

نجحت القوات المسلحة الروسية خلال الأيام الأولى من العملية العسكرية الروسية الخاصة بتدمير معظم عناصر تلك البنية التحتية لقوات “الناتو” التي ظلت تجري مناورات بلغت في السنة الأخيرة قبل بدء العملية 10 مناورات، ضد عدو افتراضي هو “روسيا”.

اليوم، وبعد مرور 3 سنوات على العملية العسكرية الروسية الخاصة بأوكرانيا، وبعدما اتضح للعالم أجمع الهدف الخبيث من وراء استخدام القفاز الأوكراني من قبل “الناتو” بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا زالت روسيا واضحة وصارمة وثابتة فيما يتعلق بأهدافها من العملية العسكرية الخاصة وهي نزع سلاح النظام الأوكراني العميل الذي يستخدمه الغرب كرأس حربة ويدعمه بكل ما يمكن من أسلحة وذخائر وأموال، والذي انهار بالفعل ليصبح اليوم كيانا طفيليا يعيش على الإعانات الغربية فقط لا غير، واجتثاث النازية التي استشرت في البلاد، وهبت وتهب رياحها من غرب أوكرانيا، معقل المتطرفين الأوكرانيين، والذي يقتات من الدعاية البولندية المعادية لروسيا (والتي خفت حدتها حينما استوعب الاقتصاد البولندي ما يمكن أن يمثله عبء الدولة الأوكرانية العالة على الغرب)، وخلق منطقة عازلة بين روسيا و”الناتو” تمنع التهديدات المختلفة للأمن القومي الروسي، والحفاظ على حقوق وأمن وأمان سكان المناطق الجديدة التي اختارت طوعا العودة إلى وطنها الأم، ثقافيا وتاريخيا، روسيا.

لهذا، فيما يبدو، استمعنا إلى شكوى الرئيس ترامب، بأن “بوتين يعاملنا بشكل سيئ”، وعليه “سنوافق على إرسال أسلحة هجومية”.

يدعو التصريح إلى الضحك ولا شيء سواه. حيث يبدو الأمر وكأن “الناتو” بقيادة الولايات المتحدة لم يكن يزود، طوال ثلاث سنوات، أوكرانيا بأسلحة هجومية راح جراء استخدامها والتعرض للرد الروسي المقابل مئات الآلاف من الضحايا من أبناء الشعب الأوكراني الشقيق.

إن أوكرانيا وإسرائيل هي كيانات طفيلية حرفيا لا مجازا، بمعنى ان أوكرانيا أو إسرائيل لا تتمكنان من البقاء أسبوعا واحدا دون الدعم الأمريكي. وبوقف هذا الدعم، لم يكن لأوكرانيا أو لإسرائيل أي وجود على الخارطة السياسية للعالم. أو ربما لكانت دولا طبيعية تبحث عن علاقات سياسية ودبلوماسية واقتصاد يحاول الاستفادة من الموقع الاستراتيجي ومن علاقات الجوار والمنافع المتبادلة. أما هذا الكم من الكراهية والغل والحقد وغطرسة القوة فإنما تغذيه آلة الحرب الأمريكية ولا شيء سواها.

في نوفمبر 2022، عقدت مجموعة الدول السبع وعدد من دول “الناتو” اجتماعا طارئا على هامش قمة مجموعة الدول العشرين، وكان عنوان الاجتماع وهدفه التعامل مع تداعيات صاروخ سقط في الأراضي البولندية، وهو ما يستدعي تفعيل المادة الرابعة من ميثاق حلف “الناتو” بإجراء مشاورات طارئة في حالة تهديد إحدى الدول الأعضاء.

حينها انطلقت على الفور التكهنات والاتهامات والتهديدات بالحرب العالمية الثالثة التي سيتسبب فيها هذا “الانتهاك” الروسي المزعوم. وكان الهدف من الحملة الإعلامية حينها توريط “الناتو” في النزاع الأوكراني، ولكن على نحو مباشر، وليس من وراء ستار.

إنها نفس روح التآمر على الدول وتغيير الأنظمة والانقلابات والثورات الملونة وغير الملونة، حيث كان يدير هذا البرنامج المشبوه قسم الأنشطة الخاصة بوكالة الاستخبارات المركزية، وقد تدرب في إطار هذا البرنامج آلاف المتمردين، فيما أذن الرئيس الأمريكي حينها باراك أوباما سرا للوكالة ببدء تسليح المتمردين السوريين المحاصرين عام 2013، وأصبح البرنامج معروفا للعامة منتصف عام 2016.

كان من عواقب هذا البرنامج تدفق كميات هائلة من الأسلحة الأمريكية بما في ذلك بنادق هجومية وقذائف هاون وقذائف صاروخية إلى السوق السوداء في الشرق الأوسط، فيما اعتبر ويعتبر منتقدو هذا البرنامج أنه تسبب في استيلاء عدد كبير من التنظيمات الإسلامية المختلفة على الأسلحة، بعضها يصنف إرهابيا في قوائم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

لقد هاجم نظام كييف منذ يومين شاطئا في مدينة كورسك الروسية ما أسفر عن مقتل 3 مدنيين وإصابة 7 أشخاص، وهو ما صنفته الخارجية الروسية بأنه “هجوم إرهابي” لا يستهدف قاعدة عسكرية أو هدفا عسكريا، وإنما يستهدف المدنيين مع سبق الإصرار والترصد.

ألا يشبه ذلك التعليمات التي يصدرها القادة العسكريون الإسرائيليون لجنودهم بإطلاق النار على المدنيين العزل في غزة، من منتظري المساعدات، وإيقاع ما بين 50-100 قتيل يوميا في القطاع؟ أعتقد أن التشابه واضح.

ختاما، تجدر الإشارة إلى رد الكرملين المتوازن والهادئ تجاه لغة ترامب “المتشددة” تجاه موسكو، حيث صرح المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بأن موسكو، ورغم قرار استئناف إمدادات الأسلحة إلى كييف، تتوقع من الرئيس ترامب مواصلة الجهود لحل النزاع الأوكراني. كذلك أضاف بيسكوف أن المفاوضات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا تصب في مصلحة كييف نفسها، لأن ديناميكية الوضع على الأرض تتغير بسرعة، وكلما سارعت أوكرانيا إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، كلما كان ذلك أفضل لها.

أعتقد أنه قد آن الأوان ليدرك الرئيس الأمريكي أن تلك الحركة نحو التعددية القطبية هي قطار بشري شديد الضخامة يضم عربات كثيرة جداً، ويتحرك بثقة وإصرار وحسم، وسيدهس كل من يقف في طريقه، والحكمة والرشد يتطلبان أن تنزل الولايات المتحدة ومعها إسرائيل من علياء الأوهام إلى أرض الواقع، ويفهما أن أفضل الحلول هي ركوب هذا القطار والعمل في نفس مسار واتجاه قطار التعددية القطبية، حتى تتمكن البشرية من البقاء، وأن نبتعد عن سيناريو الفناء لا قدر الله.

لقد صرحت الخارجية الروسية يوم أمس بأنه لا يمكن ضمان أمن أوروبا دون مشاركة روسيا، وكل محاولات التحايل على ذلك محكوم عليها بالفشل. وأضيف أن أمن العالم لا يمكن تخيله من دون مشاركة روسيا والصين، وكل محاولات التحايل على ذلك محكوم عليها بالفشل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى