أسباب الحسد ومراتبه

– أسبابه:
لقد بيّن العلماء أنَّ الحسد له جذور تنمو في باطن النفس حتَّى تستحكم، وتتحوَّل إلى هذا المرض الأخلاقي الخطير؛ ومن أبرز هؤلاء العلماء الذين فصَّلوا القول في هذا الباب، العلَّامة المجلسي (رضوان الله عليه)، فقد حصر أسباب الحسد في سبعة أصول يمثِّل كل واحد منها خللًا عميقًا في البناء الأخلاقي للإنسان.
الأوَّل: العداوة والبغضاء.
إذا وُجدت العداوة بين شخصين، نشأ معها الحسد بشكل تلقائي؛ فالبغض يُنتج تمني الضرر، ولا شيء يُؤلم العدو في نظر الحاسد مثل أن يُكرم الله (تعالى) غريمه بنعمة. وكلَّما ازدادت نعمته، ازداد قلب عدوه غيظًا وكَمَدًا. وهذا النوع من الحسد لا يخرج إلَّا من نفس لا تعرف التسامح، ولم تتربَّ على الصفح وصفاء القلب.
اقتلني!!
ينقل المحدث الشيخ عباس القمي (رحمة الله عليه)، قصَّة عن الحسد مجملها:
“كان أحد النَّاس يحسد جاره كثيرًا، حتَّى وصل به الحال إلى أن يعمل أعمالًا غريبة وعجيبة، بحيث إنَّه في أحد الأيَّام، قال لعبده: إنَّ لي عليك فضلًا كثيرًا، وهل جزاء الإحسان إلَّا الإحسان، وإني أطلب منك طلبًا مهمًا، وأريد منك أن تنفذه.
فقال له العبد: ما هو طلبك وسأنفذه؟
قال له الحسود: سوف نذهب إلى سطح الجيران، فاذبحني هناك، وبعد ذلك سوف يطلع النَّاس على أنني قتلت، ويتهمون جارنا بقتلي ويقتلونه قصاصًا!!
في البداية رفض العبد أمر سيِّده، ولكن إصرار المولى على عبده جعله يوافق، فقتل سيِّده كما أمره، وبعد ذلك عرف النَّاس بأنَّ فلانًا قُتل، وجثته وجدت في بيت الجيران، فجاءت الشرطة، وألقت القبض على الجار بتهمة القتل، ولكن قبل أن ينفّذ القصاص، جاء العبد، واعترف بكلِّ ما حدث.
فأطلق سراح الشَّخص الذي أراد الحاسد الإيقاع به!
فكانت النتيجة أن قتل الحسود، دون أن يحقق شيئًاً من أمانيه الخبيثة، فخسر نفسه في الدُّنيا والآخرة.
الثَّاني: التعزُّز.
بعض الناس يرون أنَّ عزّهم ومكانتهم لا تكتمل إلَّا بأن يكونوا في مرتبة أعلى من غيرهم؛ وإن رأوا أحدًا يتقدَّم، أو يُكرَم، أو يُمدح، شعرُوا بأنَّ ذلك يُنقص من قدرهم، واهتزّ توازنهم النَّفسي. فتراهم يغارون؛ لأنَّهم يرون أنفسهم أحقّ بها من الآخرين. وهذه النفسيَّة لا تنشأ إلَّا من ضعف التوكل، وغياب الرضا بما قسم الله (تعالى).
الثَّالث: الكِبْر.
يرى المتكبر أي فضل على غيره هو إهانة له، وكلَّ رفعة لغيره خفضًا لمقامه؛ لذا فإنَّ الكبر والحسد توأمان لا يفترقان.
الرَّابع: العُجب بالنفس.
إذا أُعجب الإنسان بنفسه، واستعظم أعماله أو مكانته، ورأى أنَّه لا يستحق أحدٌ غيره ما يُعطى من الخير، أصبح حسودًا من حيث لا يشعر؛ فالعُجب يجعل الإنسان يرى نفسه فوق النَّاس، ومن ثمَّ لا يحتمل أن يشاركوه في الخير، فضلًا عن أن يتقدَّموا عليه.
الخامس: الخوف من فوات المقاصد.
وهو أن يخاف الإنسان أن تؤثِّر نعمة غيره على مصالحه؛ كأن يُعيَّن زميله في منصب كان يتمنَّاه، أو يُفضَّل غيره عليه في أمرٍ ما، فيتمنَّى زوال النعمة خوفًا على مكاسبه الخاصَّة؛ وهذا الحسد أقرب إلى الطبع التجاري في العلاقات، حيث تُقاس الأمور بالمصالح لا بالحقِّ والعدل.
السَّادس: حبُّ الرئاسة والدُّنيا.
من كان قلبه متعلقًا بالدُّنيا، ويلهث وراء الرئاسة والمقام، لا يقوى على رؤية غيره في موضع التقدير أو السيادة؛ لأنَّ ذلك يُهدد طموحه، ويعكِّر عليه استحواذه؛ فكلُّ ظهور لغيره تهديدٌ لمكانته، فيتحوَّل ذلك التهديد إلى حسد دفين، يزداد كلَّما ازداد المحسود إشراقًا.
السَّابع: خبث الطينة أو النَّفس.
وهو أخطر الأسباب؛ لأنَّ صاحبه لا يحتاج إلى مبرر ظاهر للحسد؛ بل يحسد لمجرَّد أن يرى الخير عند غيره، ولو لم يكن بينه وبينه أي عداوة أو تمايز. فطبعه منحرف، ونفسه مظلمة، لا تُطيق أن ترى أحدًا في نعمة، سواء كانت دنيويَّة أو معنويَّة. وهذا النَّوع من الحسد عميق الجذور، لا يزول إلَّا بجهاد طويل للنفس، وتربيَّة إيمانيَّة مكثفة.



