حرية الروح

هناك عنصران يتكون منهما الإنسان، هما الروح والجسد، المعنى والمادة، فالروح هي شيء غير ملموس ولا مرئي، لهذا لا تنتمي للمادة بأي حال من الأحوال، أما الجسد فهو شيء مادي له شكل مرئي ويمكن أن نلمسه ويمكن أن يحضر ويفنى، أما الروح فلا تموت، ومن هنا تأخذ قوتها وقدرتها على رفع الإنسان إلى أعلى المراتب في حال تمكن من استثمارها بالشكل الصحيح ليرتقي من خلالها على الشهوات بأنواعها.
بالطبع يمكن للإنسان أن يعتمد اعتمادا كبيرا على روحه إذا تحلّت بالحرية والقوة، ومن خلال ذلك يمكنه إلحاق الهزيمة بجميع الشهوات، وأيضا حبه للسلطة وتمسكه بها، أو تفاخره بنسبه وحسبهِ وعشيرته، فإذا كانت روحه تتمتع بالحرية سوف لا يعطي اهتماما لهذه الشهوات، ولا يتصاغر أمامها، بل يكون قويا متماسكا، ولا يسمح لنفسه بالانخراط في مثل هذه الشهوات، أو الاستجابة لإغراء المال والسلطة وسواها من الشهوات.
هنا يتطلب من الإنسان أن يُكْرِه نفسه ويلزمها بالصبر والابتعاد عن سطوة الشهوات، لأنه لا يستطيع أن يلبي شهواته ورغباته من خلال الإقبال عليها، والانخراط فيها، والاستسلام لها، بل عليه مقارعة هذه الشهوات والرغبات، والوقوف ضدها وعدم الانصياع لها، وبهذه الطريقة فقط يمكنه الفوز بهذه الشهوات من خلال صبره ومقارعته لرغباته وشهواته التي تحيط به من كل صوب، حيث تحاول استدراجه نحو فخ الشهوات المزروع له في كل مكان.
كيف تفوز بما تشتهي؟
وبهذا الأسلوب الذي يرفض فيه الإنسان الاستجابة للشهوات والرغبات، يمكنه تحقيق ما يصبو إليه، ولكن في حالة الانزلاق والانحراف والضعف الروحي وعدم التحلي بالحرية الروحية القوية، فإن الإنسان سوف يسقط في فخ شهواته، ولا يمكن له الخلاص منها، ولا يمكنه بعد هذا السقوط أن يفوز بما يشتهي وما يريد.
يكاد أن يكون الدين الإسلامي هو الوحيد الذي يحقق للإنسان حرية الروح، وبهذا تكون روحه الحرة قوية بحيث يمكنها أن تصد جميع الشهوات التي تُعرَض على الإنسان، ولهذا يجب على كل شخص أن يتحلى بالقدرة على مقارعة شهواته المختلفة، ومنها الشهوات الجنسية، والتعلق بالسلطة والأموال والنفوذ والسلطة.
هذه كلها رغبات وشهوات تغري الإنسان وتستدرجه إليها، حتى يسقط في أحضانها، وعندئذ لن تقوم له قائمة، وذلك بسبب ضعف الروح وعدم تمتعها بالحرية التي تجعل منها قوية جدا وقادرة على إلحاق الهزيمة بالشيطان، وبالتالي تهزم الشهوات أيضا، لأنها لم تعُدْ تشكل شيئا ضروريا أمام الروح التي تتمتع بالحرية، أما الانصياع لها فسوف يقود الإنسان نحو الهلاك.
ويجب أن نعرف أن الإنسان إذا استجاب لشهواته صاغرا، وسايرها ومشى في هذا الطريق المليء بالعثرات والاستعباد، فلابد أن يفهم بأنه أصبح عبدا لهذه الشهوات، وأنها من الممكن أن تسيطر عليه تماما، وتذهب به إلى مسالك لا يصح أن يدخل فيها الإنسان لأنها لا تليق به، وتؤكد بأنه أصبح ضعيفَ الروح.
منزلة التُقاة العظيمة
بالإضافة إلى أن روحه لم تعُدْ تتمتع بالحرية وهكذا فإنه يفقد تلك المنزلة التي يتحلى بها أولئك التقاة الذين لا يمكن للشهوة أو الرغبة أن تتغلب عليهم، بل كل إنسان تقيّ سوف يكون قادرا على مقارعة ضعفه والتغلب على شهواته المختلفة.
ولكن علينا أن نُقرّ ونفهم بأن حرية الإنسان وتحلّيه بروح ذات حرية تامة وكرامة محفوظة، لا تتحقق له بسبب المال الذي يحصل عليه بأية طريقة كانت، فالأموال لا تحقق لصاحبها الشعور الحقيقي بالحرية، بل لا يشعر حتى بالكرامة وإنْ كانت أمواله كبيرة وكثيرة، بل تعود إلى تقواه والتزامه وتمسكه بحرية الروح التي تنقذه من كل الانحرافات.
السلطة أيضا تعجز عن منح الإنسان الحرية، فحتى لو كان الإنسان ذا سلطة قوية، وبأس شديد، فهذا لا يعني مطلقا أنه يتحلى بالحرية، حتى العشيرة لا يمكنها أن تحقق الحرية للإنسان، وكذلك يعجز المركز الاجتماعي عن تحقيق ذلك، وإنما التقوى وحدها هي التي تصون حرية الإنسان وتحميه من التخبط والضعف والسقوط في فخ الشهوات.



