ثقة غائبة ونظام مصرفي متهرئ.. العراق يراهن على الدفع الالكتروني

المواطن متردد بين “الكاش” و”الكارد”
المراقب العراقي / احمد سعدون..
في ظل تزايد الضغوط على السيولة النقدية في الشارع العراقي، بدأت الحكومة بتوسيع اعتمادها على أنظمة الدفع الإلكتروني داخل مؤسسات الدولة في ظاهرها تبدو إجراءً تقنيا ولكن في جوهرها محاولة لاحتواء أزمة مالية متصاعدة، عبر تقليل الاعتماد على النقد الورقي، وإبقاء أكبر قدر من الأموال ضمن النظام المصرفي وهذا ما دفعها لإعلان حظر الدفع النقدي بالمؤسسات الحكومية مطلع الشهر المقبل .
ان مثل هذه الإجراءات تستخدم عادة في الدول التي تواجه نقصا حادا في السيولة، لكنها قد تثير جدلاً واسعا إذا طبقت على عموم المواطنين دون توفير بنية تحتية مناسبة ونشر الثقافة التوعوية لدى المواطن البسيط من خلال زرع الثقة بنظامه المصرفي .
ويرى مراقبون أن نجاح هذا المسار يتوقف على مدى قدرة الدولة على ضمان التوازن بين فرض الأدوات الإلكترونية وتحقيق العدالة المالية والاجتماعية، إذ لا يمكن فرض أنظمة دفع رقمي على المواطن دون تحسين البنية التحتية، وتوفير ثقة حقيقية بالنظام المصرفي، لا سيما في الأرياف والقرى والمناطق التي تفتقر إلى الوصول المنتظم للخدمات البنكية كالاسواق الشعبية ووسائل النقل البسيطة ، محذرين من أن أي محاولة لتقييد السحب النقدي دون بدائل واقعية قد تؤدي إلى خلق سوق موازية، أو إثارة مخاوف الناس من فقدان السيطرة على أموالهم .
ومن جانب اخر يرى المستشار الاقتصادي مظهر محمد صالح أن أحد مظاهر هذه المرحلة هو استغلال أدوات الدفع الإلكتروني كوسيلة غير مباشرة لتدوير النقد وتخفيف الضغط على الكتلة الورقية مما يمكن الدولة من إبقاء السيولة تحت السيطرة، ويمنح البنك المركزي مساحة للمناورة في مواجهة التضخم وتقلبات السوق، دون اللجوء إلى طباعة العملة أو التوسع النقدي المفرط
لكن هذا التداخل بين السياسة النقدية والمالية ليس جديدًا، إذ سبق للبنك المركزي أن استخدم أدوات مثل خصم السندات وتمويل الحكومة بطرق غير مباشرة، مما أضعف استقلاليته في فترات سابقة .
وفي ذات السياق اكد الخبير الاقتصادي ضياء الشريفي في حديث لـ” المراقب العراقي ” ان نظام الدفع الالكتروني خطوة جيدة في ظل دولة تتمتع بنظام مصرفي مستقر خاضع لسيطرة الحكومة وليس كبلد مثل العراق الذي يعاني من آفة الفساد التي تنخر جميع مؤسساته مقابل إجراءات حكومية خجولة امام هذه الظاهرة المستفحلة حسب تعبيره.
كما اتهم الشريفي “منافذ الدفع الالكتروني التابعة لوزارة المالية بسرقة رواتب الموظفين والمتقاعدين والحصول على نسب مالية غير مستحقه اثناء استلام الرواتب ، لافتا الى ان هذه السرقات تحدث امام انظار وزارة المالية دون ان تحرك ساكن في معالجة هذه الثغرة المالية وهذه واحده من الأسباب التي جعلت المواطن لايثق بنظامه المصرفي والائتمان على أمواله في المصارف” .
كما دعا الشريفي “الحكومة في حال توجهها الى الدفع الالكتروني القيام ببعض الإجراءات منها توزيع الصراف الالي في كل المناطق وليس في مناطق محددة ، كما شدد على ضرورة زيادة عمليات التثقيف لدى المواطن وخصوصا كبار السن والشباب الاميين من اجل تهيئة أرضية مناسبة للانطلاق باتجاه هذه الخطوة .
وما بين أزمة سيولة ضاغطة، ومحاولة البنك المركزي فرض قواعد استقرار جديدة، يبدو أن العراق يتحرك نحو نموذج نقدي ناعم تحاول فيه الدولة ضبط الاقتصاد عبر أدوات إلكترونية بدلًا من الأدوات التقليدية. لكن هذا المسار، رغم ضرورته، يتطلب توزاناً دقيقا بين الإصلاح والتدرج، وبين السلطة والثقة، حتى لا تتحول الخطوة إلى عبء جديد على المواطنين بدل أن تكون مخرجا من أزمة قديمة.



