ثقافية

الفلسفة والإبداع

لعلّ أهمية الفلسفة في حياتنا تعد هي الحكمة التي تحرك الإبداع، وتضع الأسس العلمية.. والفكرية.. والثقافية، في التعامل مع الفكر بجميع المجالات من خلال المدركات الحسية، والصورة، والرمز، والتخيل بالتأليف من خلال التفكير وسعة الخيال لإنجاز المبدع في الأجناس الإبداعية كافة.. في كتاب (فلسفة الخيال قراءة في محرك الإبداع والتغيير والمستقبل) للدكتور رحيم الساعدي ـ بغداد ـ 2015 ـ من عتبة الإهداء والوفاء (إلى أستاذي الراحل البروفسور مدني صالح وفاءً وتقديراً) ينطلق بسياحة فكرية معمقة متطلعا لآراء الفلاسفة من إفلاطون إلى المنتج البشري المعاصر، من خلال فصوله العشرة، ذاكراً بهوامشه كل ما اقتبسه من مصادر لتلك المعلومات الثرة ـ هذا ديدن الباحث الرصين ـ بعد انتشار حالة السرقة الفكرية والثقافية حتى وصلت إلى عشرات الأطاريح الدراسية، ففي مقدمته ص10 (والخيال موضوع مهم يوصف اشتغاله بالدنو من المسار والتخطيط الخاص بالإنسان والمجتمع، وهو لايعني التصورات أو الأحلام، كما لايعني حالة من الترف المرتبطة بتعاط ساذج لأفكار الفرد..). في فصله الأول استعرض آراء عشرات الفلاسفة بالخيال والإبداع على سبيل المثال يعرف افلاطون التخيل بأنه ص 17: مصور أو رسام يرسم في النفس أشباه الأشياء المدركة بالحس ويأخذ من الحواس موضوعات الحس التي تصبح مادة التفكير، ناسبها لمصدر استقاه منه (محمد عثمان نجاني) وسار بهذه المنهجية العلمية ذاتها بكل أطروحاته بالكتاب المهم، وفي تعريف علم النفس يعرف الخيال: بأنه نشاط نفسي تحدث خلاله عمليات تركيب ودمج بين مكونات الذاكرة والأدراك، وبين الصور العقلية التي تشكلت من قبل خلال الخبرات الماضية، وتكون نواتج ذلك كله تكوينات وأشكال عقلية جديدة. وورد في شروحاته للخيال والإبداع بصفحات الكتاب، أن التخيل الإبداعي، هو أن تنتخب المخيلة عناصر تتصرف فيها بالتأليف وهو ما يشمل التخيل في التشبيه والاستعارة.. ص 24 ـ إن وظيفة الخيال، بصورة اعتيادية هي أنه ينظر إلى المستقبل ليوسع الإدراك الحالي، حتى لا تعود هناك رابطة بين رؤاه وحياة الشخص المألوفة، وهو يثير الإرادة، عندما يرتبط بهدف مستقبلي وكلما ابتعد الهدف زادت قوة الخيال. ركز بشروحاته على توضيح مراده بنقاط ـ الفائدة المتوخاة ـ من هذا البحث الجمالي الشيق، فتجد بكل فصل هناك تركيزاً إلى القصدية والهدفية من الطروحات الجمالية والمعرفية لسعة الموضوع وارتباطه بالإبداع بجميع صوره. ويتنقل بين الموضوعات التي ترتبط بالخيال من الأسطورة والخيال.. الخيال الاسطوري.. ص 39 (الأحلام، الادراك الحسي، الوهم، الفنتازيا، التصور، الصورة الذهنية، التفكير، التذكر والذاكرة.. إلخ). والخيال جزء فعال في حياة الشخص بكل مراحل حياته وهو يوفر بديلاً من الواقع الذي لايمكن مواجهته ويحقق ما تعذر تحقيقه لتجنب عوائق الحرمان والتعويض من الاشياء التي تعذر الحصول عليها. ويستمر في تفكيك فلسفة الخيال السوسيولوجي بفصل آخر ليعرفه هو تطبيق الفكر الخيالي في طرح التساؤلات السوسيولوجية ومحاولة الإجابة عنها ومنها عملية ارتقاء بتفكير الأفراد فوق مستوى الأمور الاعتيادية اليومية عن “انتوني جيدنز” مقدمة نقدية في علة الاجتماع، ت ـ أحمد زايد وآخرون وتستمر صفحات الكتاب في رشقات ونفحات علمية عن الفلسفة والخيال والأدب والخيال ص 168 وبنظرة مجملة على النتاج الأدبي للحضارة الإسلامية ودور الخيال فيها سنجده يحمل منسوبا من الخيال ربما كان المتنفس الذي ينطلق منه العربي وقتها في تفريغ الكثير من الهموم والمشاعر والطاقات، كما ركز بكتابه (المستقبل في الفكر اليوناني والإسلامي مدخل إلى علم الدراسات المستقبلية) إذ أكد عن أهميتها ص 26 (تنقسم أهداف الدراسات المستقبلية على محاور عدة وتشعبات مختلفة، النظرية منها والعملية أو التطبيقية، الاستراتيجية، السياسية، الاقتصادية او تنقسم على اهداف بعيدة او قريبة أو اهداف أساسية وثانوية ويمكن القول إن في دراسة المستقبل والمستقبليات محاولة لاستنهاض الواقع الفكري العراقي والعربي بشكل خاص والإسلامي بوجه عام..). إن البناء الفكري والعلمي والثقافي يقوم على التخطيط الاستراتيجي والمعرفة الحقيقية فهي سنة الاستخلاف بالأرض من أجل الإنسان ومستقبله.

صباح محسن كاظم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى