اخر الأخبار

في ذكرى ميلاده المبارك..الإمام الهادي «ع» .. نبراس للعلم ومقارعة الانحراف

513

في النصف من ذي الحجة عام 214هـ, وُلد الإمام علي بن محمد “عليه السلام” في نواحي المدينة المنورة، في قرية أسسها الإمام موسى بن جعفر “عليه السلام” تسمى: صرّيا. وسرت بذلك موجات من الفرح والسرور في بيت الإمام الجواد “عليه السلام” وسائر بيوت ومحبي أهل البيت “عليهم السلام” والذي اضاء سماء الولاية بقضائله وايمانه ومآثره.
فمعدنه هو معدن الرسالة والنبوة وهو فرع هذا البيت النبوي الطاهر الذي جسد للانسانية خط محمد خاتم الانبياء صلى الله عليه وأله وسلم، محاطا بالعناية الالهية، فأبوه هو الإمام المعصوم والمسدد وامه الطاهرة التقية سمانة المغربية. وكنيته أبو الحسن، واشهر ألقابه الهادي والنقي.
لقد تحلى الإمام الهادي “عليه السلام”، بمكارم الاخلاق التي بعث جده الرسول الاعظم لتتميمها، واجتمعت في شخصيته كل عناصر الفضل والكمال التي لا يسعنا الاحاطة بها ولاتصويرها.
وقد تقلد منصب الامامة الالهي بعد ابيه في الثامنة من عمره الشريف فكان مثالا أخر للامامة المبكرة التي اصبحت اوضح دليل على حقانية خط أهل البيت الرسالي في دعوى الوصية والزعامة الدينية والدنيوية للامة الإسلامية خلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ونيابة عنه في كل مناصبه القيادية والرسالية. وعاصر خلفاء بني العباس 15 سنة تقريبا، ثم الخلفاء بعد المتوكل وهم: المنتصر، المستعين، المعتز. وقد تصدى (ع) 33 سنة لمقام الإمامة والولاية.
لقد عاصر الإمام الهادي “عليه السلام”، عدداً من خلفاء بني العباس وهم: المعتصم، الواثق، المتوكل، المستنصر، المستعين، المعتز. إن طرق المواجهة التي اعتمدها الإمام مختلفة واعتمدت على ركنين: الجانب التهذيبي: من خلال التركيز على طاعة اللَّه تعالى. الجانب التنظيمي: وذلك من خلال التركيز على الوكلاء وتنظيم المجتمع. من ناحية اخرى إن المراقب لسيرة الإمام الهادي عليه السلام، يعرف أن الإمام استخدم منهجاً تربوياً متكاملاً من أجل بناء المجتمع الصالح وحصانته في مواجهة الانحراف وتقديم نموذج للمجتمع الإيماني الذي كان يمثله أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم. وهذا المجتمع لا بد من بنائه من الداخل والخارج لذلك اعتمد في مجال بناء النفس على ركنين:
الأول: بناء النفس من خلال تهذيبها وربطها بخالقها تعالى (الجانب التهذيبي). وقد اعتمد الإمام وسائل كثيرة للبناء الروحي للمجتمع منها: الرسائل المكتوبة، الربط بالمعصومين عبر ظاهرة الزيارة فقد صدر عنه: الزيارة الجامعة، و زيارة أمير المؤمنين يوم الغدير، وزيارات متعددة للأئمة عليهم السلام.
الثاني: بناءها من أجل قدرتها على تجاوز المحن والصعاب (الجانب التنظيمي).
إن مفهوم الإمامة الذي يعني قيادة الأمة إلى الخير والصلاح في الدنيا والاخرة اقتضت من الإمام أن يمارس الجانب التنظيمي في المجتمع من أجل حمايته من حبائل السلطة الغاشمة التي كانت تتربص بالمؤمنين وبإمامهم عليه السلام الدوائر. كانت حياة الإمام عليه السلام مقرونة برقابة شديدة من قبل الحكام العباسيين، ورغم ذلك كان للتشيع انتشاره في كل العالم الإسلامي، واتبع الإمام أسلوب الوكالة للارتباط بأتباعه وشيعته في العالم ، فكيف كان هذا النظام؟
كان الوكلاء يتولون تنظيم عملية الاتصال بين الإمام عليه السلام والشيعة، خصوصاً في العناوين التالية:
1- استلام الخمس من الشيعة وإيصاله للإمام “عليه السلام” .
2 – الاجابة على المسائل الفقهية والعقائدية.
3 – التعريف بالإمام “عليه السلام” وتمهيد الأرضية له.
وكان ارتباط هؤلاء بالإمام “عليه السلام” يتم غالباً من خلال كتب يرسلونها إليه مع من يوثق به. وكان من وكلاء الإمام الهادي “عليه السلام” علي بن جعفر الوكيل، وقد سُعي به إلى المتوكل فقبض عليه وحبس، وقضى فترة طويلة في السجن. وإبراهيم بن محمد الهمداني وغيرهم.
ومن عطاءاته العلمية “عليه السلام”، أنه واصل نشاط مدرسة الأئمّة المعصومين عليهم‌ السلام من حيث المنهج والمادة، ومهّد لمدرسة الفقهاء والمحدثين من أصحابه التي سارت على خطاها حتى اكتملت في زمان ولده الامام العسكري عليه‌ السلام، فكان للإمام الهادي عليه ‌السلام دورٌ بارزٌ في إغناء تلك المدرسة وتغذيتها بروح الشريعة الغراء، وسنة المصطفى السمحاء، ورفدها بالمادة العلمية اللازمة لديمومتها واستمرار عطائها.
كما أعدّ جيلاً من رواد الفكر الاصيل الثقات فكانوا رواة وطلاباً وفقهاء ومؤلفين ووكلاء منتشرين في طول البلاد وعرضها، يحرصون على تبليغ رسالته عليه‌ السلام وإيصال كتبه ورسائله وهي تحمل أحكام الشريعة والعقيدة إلى قواعده في مختلف أطراف البلاد الشاسعة، وتمكّن بالاشراف عليهم عن طريق التواقيع والمراسلات أن يكون له امتدادات واسعة في المواقع الاسلامية تؤمّن له الاتصال والتواصل مع قواعده الشعبية في ظلّ تلك الظروف العصيبة، فيخطط لسلوكها ويحمي وجودها وينمي وعيها، ويمدها بكل الأساليب التي تساعد على صمودها وارتقائها إلى مستوى الحاجة الاسلامية. ونسبت إلى الإمام الهادي عليه‌ السلام، عدّة كتب ورسائل ومسائل في مجال الأحكام والشرائع والتفسير والأدعية والحكم والمواعظ والوصايا التربوية والبيانات المفصلة في تفسير القرآن وغيرها، وقد وصلنا العديد منها مدونة في مصادر الحديث والرجال. وكان له عليه‌ السلام دور بارز في ترسيخ مبادئ العقيدة، وترك في هذا الاتجاه بحوثاً كلامية وعقائدية عديدة انبرى فيها لخدمة مبادئ الاسلام الحقة والدفاع عن أصوله ونشر فروعه، ولعل أهمّ تلك البحوث رسالته المطولة إلى أهل الاهواز التي تعرّض فيها للردّ على فكرة الجبر والتفويض باعتبارها من المسائل التي أُثيرت بقوة في ذلك الوقت بحيث كانت سبباً للاختلاف بين أصحابه الى حدّ الفرقة والتقاطع والعداوة، فوضع الامام عليه‌ السلام النقاط على الحروف في هذه المسالة الحساسة. كما تعتبر زيارة الأئمّة عليهم‌ السلام الموسومة بالزيارة الجامعة والمروية عنه، مدرسة سيارة لتعليم العقيدة الإسلامية والانفتاح على جميع مفرداتها.
ومن جملة القضايا المطروحة بقوة أيضاً في ذلك الوقت، مسألة خلق القرآن التي أثارها الحكم العباسي في زمان المأمون والمعتصم والواثق لأسباب سياسية واعتقادية، فأحدثت فتنة ومحنة بين صفوف الناس على مختلف طبقاتهم وذهب ضحيتها الكثيرون، وأثارت الفرقة والاحقاد والضغائن بين المسلمين. وكان جواب الامام الهادي عليه ‌السلام لاصحابه واضحا، يقوم على اعتبار الجدال في القرآن بدعة، مع التفريق بين كلام اللّه تعالى وبين علمه، فكلامه تعالى محدث وليس بقديم، قال تعالى: “ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث “، وأما علمه فقديم قدم ذاته المقدسة، وهو من الصفات التي هي عين ذاته.تصدى الإمام عليه‌ السلام لبعض الفرق التي كانت تموج بها الساحة الاسلامية آنذاك والتي رفعت راية الدعوات المنحرفة والشبهات الباطلة، مبيناً زيفها وبطلانها، فكان له موقف حازم تجاه بعض الفرق التي توقفت على بعض الأئمّة عليهم‌ السلام كالواقفة والفطحية، كما حذر أصحابه من الاختلاط بالصوفية الذين يظهرون التقشف والزهد لإغراء عامة الناس وبسطائهم وغوايتهم.وانطلاقاً من مسؤوليته الرسالية في الدفاع عن العقيدة الاسلامية المقدسة ومبادئها السامية ومكافحة الكفر والالحاد، اتخذ الامام عليه‌ السلام مواقف صارمة من الغلو والغلاة الذين استفحلوا في زمانه، فكانوا من المعاول الهدامة التي أرادت الاجهاز على الاسلام وعقائده الحقة بجملة مقالات باطلة خرجوا بها عن الجادة؛ كوصفهم الامام عليه ‌السلام بالألوهية، واستهتارهم بالسنن الالهية، وإسقاطهم الفرائض عمن دان بمذهبهم، وإباحتهم كل ما حرم الله ونهى عنه كنكاح المحارم واللواط وقولهم بالتناسخ وما إلى ذلك من المفتريات، فأعلن الامام عليه‌ السلام عن كفرهم وضلالهم، وصرح بلعنهم والبراءة منهم، ودعا إلى نبذ أتباعهم ومقاطعتهم والاستخفاف بهم وتكذيب مقالاتهم الباطلة، وحذر شيعته وسائر المسلمين من الاتصال بهم أو الانخداع بمفترياتهم، حرصاً منه على تنزيه تعاليم الاسلام من التشويه والتحريف والافتراء وتصحيحاً للمسار الاسلامي بكل ما حوى من علوم ومعارف.وكان “عليه‌ السلام” علماً للهداية والاصلاح والارشاد بما يتحلى به من صفات الكمال وحسن السيرة والتفوق العلمي واسماع الموعظة وما ظهر على يده من كرامات حباها الله له، فاستطاع أن ينقذ جماعة ممن أغرتهم الدنيا فانحرفوا عن جادة الطريق فاهتدوا ببركته عليه‌ السلام إلى ساحل الامان، وخرجوا من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم وصراط الهداية.لقد وصل الامام الهادي “عليه السلام” هذه العطاءات ولم تلن له قناة في أداء رسالة جدّه المصطفى صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم وهداية أمته، متحملاً الأهوال صامداً صابراً كالطود الشامخ حتى مضى شهيداً في اليوم الثالث من شهر رجب في سنة 254هـ عن عمر 41 عاما في مدينة سامراء أثر سم دسه إليه، وهو من أنصح خلق الله لخلقه، وأحرصهم على دينه وشريعته، وأصبرهم على بلائه، وأخوفهم من سخطه وعقابه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى