صفحات من جمهورية الفقراء كيف عرف الهندي بقرة حجية نوعة؟


عبد الكريم إبراهيم
لم تستطع ان تفارقها وهي تغادر الجنوب الى المدينة، فقررت برغم معارضة ابنائها اصطحابها الى حيث تسكن، واعدت لها مكاناً في مؤخرة البيت. انها بقرة “حجية نوعة” الصفراء، او “ام خنيس” كما تحب ان تطلق عليها. “حجية نوعة” تعلل تعلقها ببقرتها: بانها اعتادت على شرب اللبن واكل “الروبة” والزبد الطازج وهو يخرج من “شكوتها”، فهي لا تحبذ حليب “القواطي” الذي تسميه بحليب “الطوز”. وعندما يشتكي اهالي المنطقة من رائحة البقرة، تقول لهم بالحرف الواحد: ان بيع “ام خنيس” هو نهاية حياتها! وأمام اصرار هذه المرأة على التمسك ببعض بقايا الجنوب، اضطر ابناؤها واهالي المنطقة على تحمل الرائحة والمخلفات اكراماً وتقديراً لامرأة اعتادت على حياة معينة، ولا تريد ان تشملها تقنيات العصر. واحيانا تكتم افواه المتقولين عبر ارسال امدادات “الروبة” والزبد الى الجيران مجاناً.
وبما ان “حجية نوعة” تسكن بقرب من السدة، فان بقرتها “ام خنيس” كانت تقوم كل يوم بجولة صباحية تكسر فيها حالة الجمود والاكتئاب التي تعيشها بعيداً عن وطنها الام، لدرجة ان اهالي المنطقة يميزونها عن بقية الحيوانات، لذا يعطونها الحرية في قطع الشارع العام والمجال للتفكير والتأمل! ولا يزعجونها باصوات “هورناتهم”. ولعل الخشية من لسان “حجية نوعة” يقف وراء هذه الاحترام. في يوم من الايام قطعت “ام خنيس” الشارع العام كعادتها وهي تقوم بجولتها الصباحية، ما جعل السائق الهندي الذي كان يعمل في احدى الشركات يترجل من سيارته الكبيرة ويمسح على وجهها وظهرها. لاحظت “حجية نوعة” هذا الفعل، فقالت في نفسها “لعل هذا الرجل ذو العمامة الغريبة قد عرف “ام خنيس”، وهو ما جعله يقف لها احتراماً وتقديراً”. ذهبت “حجية نوعة” في مخيلتها بعيداً، دافعها الوحيد تعلقها بهذه البقرة لدرجة الجنون، عندها اقتربت من الرجل الهندي وقالت له “يمه جنك عرفت ام خنيس”؟! والرجل يتكلم بلغة لاتعرفها، ليتجمع بعدها اهالي المنطقة، الامر الذي حدا بالهندي الى ان يغادر بسرعة خوفاً من وقوع مكروه، لينبري احد المتطلعين باحوال الهند ودياناتها بشرح الموضوع وهو أن ما قام به الرجل الهندي هو نوع من طقوس العبادة.
وصل تعلق “حجية نوعة” بـ”ام خنيس” لدرجة انها تردد عبارتها دائماً “يومي قبل يومج”! وفعلاً شاخت هذه البقرة ولم تعد تنتج حليباً كالسابق، واصيبت بمرض الهزال وفقدان الشهية، وانتقلت هذه الاعراض الى “نوعة”، واصبح همها الوحيد هو الجلوس امام هذه البقرة العجوز وهي تعد ايامها الاخيرة. حاول ابناؤها تدارك الموقف من خلال تقديم النصيحة لامهم بضرورة الاسراع بذبح البقرة قبل فوات الاوان، ولكن “حجية نوعة” دائماً ترفض مثل هذا الموضوع.وفي ذات صباح، استيقظ اهالي المنطقة على صراخ وعويل من بيت “حجية نوعة”، وظن الجميع انها غادرت الدنيا، ليتضح بعدها ان البكاء كان على رحيل “ام خنيس”. المرأة لم تصدق الذي حدث، فلم تمكث طويلاً حتى لحقت بها بعد مدة قصيرة.



