ذكرى هدم قبور أئمة البقيع عليهم السلام

تقع مقبرة بقيع الغرقد في المدينة المنوّرة قرب المسجد النبوي الشريف ومرقد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وتضم مراقد الأئمّة الأربعة المعصومين من أهل بيت النبوّة والرسالة (عليهم السلام)، وهم: الإمام الحسن المجتبى، والإمام علي زين العابدين، والإمام محمّد الباقر، والإمام جعفر الصادق(عليهم السلام) وكانوا تحت قبة واحدة وضمت أيضا مدفن العباس عمّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
وثمة قبةٌ قريبة منها عرفت ببيت الأحزان، حيث كانت الزهراء (سلام الله عليها) تخرج إلى ذلك المكان وتبكي على أبيها المصطفى (ص).
قباب مقبرة البقيع
واشتملت مقبرة البقيع على قباب كثيرة، مثل أزواج النبي وأولاده ومرضعته (صلى الله عليه وآله وسلم) «حليمة السعدية» وكانت هناك قبة «فاطمة بنت أسد» (سلام الله عليها) والدة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقبة زوجته أم البنين (سلام الله عليها) وتقع قرب قبة عمات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقبة الصحابي «جابر بن عبد الله الأنصاري» وغيرهم مما هو مذكور في التأريخ.
وكما دفن في البقيع فاطمة بنت أسد أم أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام) بجوار الأئمة الأربعة سلام الله عليهم.
جريمة آل سعود
بعدما استولى آل سعود على مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة وضواحيهما عام 1344ﻫ، بدأوا يبحثون عن ذريعة ودليل لهدم المراقد المقدّسة في البقيع، ومحو آثار أهل البيت(عليهم السلام) والصحابة.
وخوفاً من غضب المسلمين في الحجاز والبلاد الإسلامية، وتبريراً لعملهم الإجرامي أرغموا علماء المدينة المنوّرة على إصدار فتوى بحُرمة البناء على القبور.
فكتبوا استفتاءً ذهب به قاضي قضاة الوهابي سليمان بن بليهد الى علماء المدينة، فاجتمع بهم ، وتحت التهديد والترهيب وقّع العلماء على جواب نُوّه عنه في الاستفتاء بحُرمة البناء على القبور؛ تأييداً لرأي الجماعة التي كتبت الاستفتاء.
واستناداً لهذا الجواب اعتبرت الحكومة السعودية ذلك مبرّراً مشروعاً لهدم قبور الصحابة والتابعين، وهي في الحقيقة إهانة لهم ولآل الرسول(صلى الله عليه وآله)، فتسارعت قوى الوهابية الضالة إلى هدم قبور آل الرسول(صلى الله عليه وآله) في الثامن من شوّال من نفس السنة ـ أي عام 1344ﻫ ـ فهدّموا قبور الأئمّة الأطهار والصحابة في البقيع، وسوّوها بالأرض وشوّهوا محاسنها، وتركوها عرضةً لوطئ الأقدام ودوس الهوام.
ونهبت كلّ ما كان في ذلك الحرم المقدّس، من فرش وهدايا وآثار قيّمة وغيرها، وحَوّلت ذلك المزار المقدّس إلى أرضٍ موحشة مقفرة.
وبعدما انتشر خبر هدم القبور، استنكره المسلمون في جميع بقاع العالم على أنّه عمل إجرامي يسيء إلى أولياء الله ويحطّ من قدرهم، كما يحطّ من قدر آل الرسول (صلى الله عليه وعليهم) وأصحابه.
القرآن الكريم وبناء القبور
لو تتبعنا القرآن الكريم ـ كمسلمين ـ لرأيناه يعظّم المؤمنين ويكرّمهم بالبناء على قبورهم ـ حيث كان هذا الأمر شائعاً بين الأُمم التي سبقت ظهور الإسلام ـ فيحدّثنا القرآن الكريم عن أهل الكهف حينما اكتُشف أمرهم ـ بعد ثلاثمّائة وتسع سنين ـ بعد انتشار التوحيد وتغلّبه على الكفر.
ومع ذلك نرى انقسام الناس إلى قسمين: قسم يقول:﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ 1تخليداً لذكراهم ـ وهؤلاء هم الكافرون ـ بينما نرى المؤمنين ـ التي انتصرت إرادتهم فيما بعد ـ يدعون إلى بناء مسجد على الكهف، بجوار قبور أُولئك الذين رفضوا عبادة غير الله؛ كي يكون مركزاً لعبادة الله تعالى.
فلو كان بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها علامة على الشرك، فلماذا صدر هذا الاقتراح من المؤمنين؟! ولماذا ذكر القرآن اقتراحهم دون نقد أو ردّ؟! أليس ذلك دليلاً على الجواز، ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.
فهذا تقرير من القرآن الكريم على صحّة هذا الاقتراح ـ بناء المسجد ـ ومن الثابت أنّ تقرير القرآن حجّة شرعية.
إنّ هذا يدلّ على أنّ سيرة المؤمنين الموحّدين في العالم كلّه كانت جارية على البناء على القبور، وكان يُعتبر عندهم نوعاً من التقدير لصاحب القبر، وتبرّكاً به لما له من منزلة عظيمة عند الله، ولذلك بني المسجد وأصبحت قبور أصحاب الكهف مركزاً للتعظيم والاحترام.
ولا زالت هذه الحالة موجودة حتّى في وقتنا الحاضر لقبور العظماء والملوك والخالدين، فهل توجد أخلد وأطهر من ذرّية رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً؟
هدم المشاهد والقبور والآثار الإسلامية في مكة والمدينة وغيرهما
لم تقتصر جريمة آل سعود على هدم قبور أئمة أهل البيت والصحابة في البقيع فقد امتدت أياديهم الخبيثة لتطال الكثير من الآثار الاسلامية مايكشف حقدهم الدفين على الاسلام والمسلمين ففي مكة دُمرت مقبرة المُعلّى، والبيت الذي ولد فيه الرسول (صلى الله عليه وآله).
كما قاموا بفعلة شنيعة في سنة 1216هـ (1801م) بالاعتداء على مباني مدينة كربلاء، فهدّموا المساجد والأسواق، والكثير من البيوت التراثية المحيطة بالمرقدين وعبثوا بالمراقد المقدسة وهدموا سور المدينة.



