اخر الأخبارثقافية

“من نصوص النار”.. تأملات فلسفية حول الوجود الإنساني

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..

تُعد قصيدة “من نصوص النار” للروائي والشاعر والناقد الأدبي العراقي علي لفته سعيد، نصاً شعرياً معاصراً يتجاوز الأنماط التقليدية، ويُرسّخ لغة شعريةً حرة ومتحررة، تتجلى في القصيدة، براعة الشاعر في توظيف الصورة الشعرية، واستخدام اللغة المكثفة لخلق عالمٍ خاصٍ بالنار، هذا الكائن الواعي، بحسب النص، الذي يتفاعل مع الذات الشاعرة في رحلة وجودية عميقة.

وقالت الناقدة نور هزبر في قراءة نقدية خصت بها “المراقب العراقي”: “يُلاحظ في النص استخدامٌ مكثفٌ للاستعارة، حيث تُجسّد النار ككائن واعٍ يتفاعل مع الشاعر، هذه الاستعارة تضفي عمقاً فلسفياً على النص، وتُحوّلهُ من وصفٍ ماديٍّ للنار إلى رمزٍ للرغبات والصراعاتِ الداخلية. الصور الحسية القوية، مثل “أفضحُ مبانيها” و”همست لها بالبرد”، تُساهم في خلق تجربة شعرية مؤثرة، وتُلامس مشاعر القارئ بشكل مباشر. وهي تختلف، على سبيل المثال لا الحصر، مع شعر رامبو الذي تكون النار فيه جزءاً من رؤيا أو تجربةٍ داخلية أكثر منها كياناً خارجياً، وهي تشكل صوراً حسّية متوترة بشكلٍ كبير، على عكس تلكم التي جاء بها كاتب النصّ علي لفته سعيد”.

وأضافت: “في البنية الفلسفية والوجودية، يتناول النص موضوعات وجودية عميقة، مثل العلاقة بين الذات والعالم، والصراع بين الرغبة والقمع. تساؤلات الشاعر حول طبيعة النار ودورها في الوجود تُثير تأملات فلسفية حول الوجود الإنساني، وتُحيل إلى صراعات الإنسان الداخلية في مواجهة رغباته وقيوده”.

وتابعت: “في البنية الثقافية والتناص، يُلاحظ في النص تناصٌ مع المفاهيم الدينية والأسطورية، مما يُضفي على النص بعداً ثقافياً عميقاً، فكرة النار كرمز للتطهير والعقاب، والصراع بين الرغبة والقمع، كلها مفاهيم حاضرة في الوعي الثقافي الإنساني، في الأسطورة الإغريقية، يسرق بروميثيوس النار من الآلهة ليمنحها للبشرية، وهو فعلُ تحدٍ وتمردٍ ضدّ سلطةِ زيوس. النار هنا تمثلُ المعرفة، التقدم، والقدرة على تغيير الواقع. في نص “من نصوص النار”، النار أيضاً تحملُ قوة فضحٍ وكشف، وهي مرتبطةٌ بالتمرّد على الأوضاع القائمة مثل قوله “أنا من يشي بها لأفضح مبانيها”.

وأوضحت: “في البنية العاطفية والتأثير، يتمتع النص بقدرة عالية على التأثير في القارئ، وإثارة مشاعره وتفكيره، فالصور الشعرية تلتصق بالذاكرة، والتساؤلات التي يطرحها النص تُحفز على التفكير والتأمل، ومن النصوص العالمية يمكننا إيجاد التناص المفاهيمي مع ديوان “موقد النار” للكاتب “ديفيد هربرت لورانس” إذ يشعر لورانس في كثير من قصائده بعلاقةٍ شخصيةٍ مع النار، كما لو أنها كائن حي. هذا يوازي قول الشاعر علي لفته سعيد “تعرفني النار” و “أعرفها” في النص”.

وبين: إن “قصيدة علي لفتة سعيد، من نصوص النار، تُعدّ إضافة قيمة إلى الشعر العربي المعاصر، وتُجسد قدرة اللغة الشعرية على التعبير عن أعماق الوجود الإنساني. النص يجمع بين البراعة اللغوية والعمق الفلسفي، مما يجعله نصاً جديراً بالقراءة والتأمل، وإعادة القراءة والتأمل بشكل أكبر معها”.

من نصوص النار

تعرفني النار

أنا من يشي بها لأفضح مبانيها

وهي تفضحني كلما همست لها بالبرد

لكنها لا تشي بشيء عني

فلم أكن خشبة

أتفاعل باخضراري

أو وقودًا مسجوناً بالبراميل

أو شارعًا ملطخًا بالأنين

أو حربًا، كلما أطفأ الماءُ أوراها بالدعاء، أشعلها الحكام

لكنها تريد مني ألا أعوذ بشيء إذا ما تصاعدت حرائقي

ولا شيء بين يدي

ولا أصرخ بألسنتها إذا ما هبّت تحت ملابسي الأناشيد

تريد مني أن أتغزل بها كلما

نطقت الأرصفةُ بالأشجار

والحكمةُ بالسؤال

والرغبةُ بالكبت

وأنا أريد منها

إذا ما حملتك الريح نحوي

أن تقلّل دماء المعركة

وألا أترك مجالًا للحوم أن تهاجم ما يبقى من ظلِّ الرغبات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى