هل يمكن للخيار العسكري أن يعرقل البرنامج النووي الإيراني دون القضاء عليه؟

بقلم: نجاح محمد علي..
من المؤكد أن إيران قادرة على إعادة بناء منشآتها النووية التي قد تتعرّض للاستهداف في أي هجوم عسكري، ما يعني أن مثل هذه العمليات لن تتمكن من القضاء على البرنامج النووي السلمي للجمهورية الإسلامية، بل قد تؤدي فقط إلى تأخير مؤقت.
إيران أثبتت قدرتها على استعادة قدراتها بسرعة بعد أي استهداف مفترض، وتشير التقديرات المتاحة إلى أن أي هجوم عسكري لن يحقق الأهداف التي يروّج لها القائمون عليه، بل سيؤدي إلى نتائج عكسية.
وكما قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فإن أعداء طهران ربما يكونون قادرين على استهداف منشآتها النووية، لكنهم لن يستطيعوا منعها أو سلب قدرتها على بناء مواقع نووية جديدة. ونقلت وسائل إعلام رسمية عنه قوله: “يهددوننا بقصف المنشآت النووية… إذا قصفتم مئة، سنبني ألفًا غيرها… يمكنكم قصف المباني والمواقع، لكنكم لا تستطيعون قصف من يبنونها”.
وعليه، فإن أي طرف يفكر في اللجوء إلى القوة العسكرية عليه أن يدرك هذه الحقيقة جيدًا.
إيران أكدت مرارًا وتكرارًا التزامها بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية، وعبّرت عن ذلك عمليًا من خلال تعاونها مع المنظمات الدولية المعنية، لكن واشنطن تزعم أن رفع طهران لنسبة تخصيب اليورانيوم إلى مستويات قريبة من الاستخدام العسكري يشير إلى نوايا مختلفة.
تقرير استخباراتي أمريكي صدر في تشرين الثاني 2024 ادعى أن إيران قد تتمكن من إنتاج سلاح نووي بسرعة إذا قررت ذلك، لكنه في الوقت نفسه لم يقدم أي دليل على أن طهران اتخذت مثل هذا القرار. وهذا يعكس بوضوح أهمية التوصل إلى حل سياسي للأزمة، حتى من وجهة النظر الأمريكية، إن كانت واشنطن ترى أن الوقت ينفد.
كما نقلت صحيفتا “وول ستريت جورنال” و”واشنطن بوست” مؤخرًا عن مصادر استخباراتية أمريكية، أن الكيان الصهيوني يبحث إمكانية شن هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية السلمية خلال النصف الأول من هذا العام، في محاولة جديدة لعرقلة التقدم العلمي والتكنولوجي الإيراني، رغم أن الجمهورية الإسلامية أكدت مرارًا سلمية برنامجها النووي.
لقد لجأ الكيان الصهيوني سابقًا إلى التخريب والاغتيالات لوقف التطور النووي الإيراني، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، لأن إيران ليست مجرد منشآت يمكن استهدافها، بل هي مصنع لتوليد العقول والعلماء، وهو ما أكده التأريخ وإشادات القرآن الكريم والنبي “صلى الله عليه وآله” وأهل البيت “عليهم السلام” بهم.
في السابق، عندما زعم العدو الصهيوني أنه تمكن من تخريب أحد خطوط التجميع في منشأة نطنز، تحدثت بعض التقديرات عن تأخير ستة أشهر للبرنامج الإيراني، لكن ما حدث فعليًا هو أن العلماء الإيرانيين تمكنوا من استئناف التخصيب بنسبة 60% خلال أسابيع قليلة، باعتراف العدو الصهيوني نفسه.
إن فتوى سماحة قائد الثورة الإسلامية، آية الله السيد علي الخامنئي، حرّمت تطوير الأسلحة النووية، لكن بعض الخبراء أشاروا إلى أن أي تهديد وجودي قد يستدعي مراجعة الحسابات. وفي هذا السياق، صرّح كمال الخرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، بأن الجمهورية الإسلامية “يمكن أن تعيد النظر في عقيدتها النووية إذا تجرأت إسرائيل على تهديدها بسلاح نووي”.
في الوقت نفسه، يحذر مختصون دوليون من أن أي اعتداء عسكري قد يدفع طهران نحو تسريع خطواتها للوصول إلى قدرات ردع استراتيجية، خاصة وأن الكيان الصهيوني يمتلك ترسانة نووية، كما أن جميع الدول التي تتفاوض مع إيران تمتلك هذا السلاح.
إذا قرر العدو مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية دون القدرة على تدميرها بالكامل، فإنه بذلك يمنح الجمهورية الإسلامية مبررًا لتعزيز قدراتها الدفاعية والاستراتيجية، ما يعني أنه قد يجد نفسه مضطرًا إلى شن هجمات متكررة دون تحقيق نتائج حاسمة، وهو سيناريو محفوف بالمخاطر.
لقد نجح الكيان الصهيوني في استهداف برامج نووية لدول أخرى في مراحلها الأولى، كما حدث مع العراق وسوريا، لكن الحالة الإيرانية مختلفة تمامًا، فإيران تجاوزت هذه المراحل منذ وقت طويل، وتمتلك بنية تحتية نووية واسعة النطاق لا يمكن القضاء عليها بضربة واحدة.
إضافة إلى ذلك، فإن القدرات الدفاعية للجمهورية الإسلامية، والتي لا يعرف العدو سوى جزء بسيط منها، تجعل أي اعتداء عسكري خطوة مكلفة للغاية، قد تؤدي إلى تداعيات إقليمية لا يمكن التنبؤ بها. إيران قيادة وشعبًا أثبتوا خلال العقود الماضية أنهم مستعدون للتضحية والدفاع عن استقلالهم، وهو ما يعكسه تأريخ الجمهورية الإسلامية وما أشار إليه النبي الأكرم “صلى الله عليه وآله وسلم” في حديثه عن هذه الأمة.



