اخر الأخباراوراق المراقب

النهج العبادي للإمام زين العابدين (ع)

يؤكد لنا التأريخ الإسلامي أن أمة الإسلام مرّت بظروف في غاية الخطورة، سواء في وجود الرسول صلى الله عليه وآله، أو بعد رحيله، وقد تطلب إصلاح الأمة ودرء خطر تلك الظروف القاهرة جهودا عظيمة، تصدى لها أئمة أهل البيت عليهم السلام، ودفعوا عن الأمة اخطارا لا حدود لها، لاسيما في ظل الحكومات القمعية التي عملت على نشر الفساد والظلم.

ومن بين الأئمة المعصومين عليهم السلام، نستقرئ ونستطلع ذلك الدور الجبار الذي قام به الإمام زين العابدين، لكي يحمي الإسلام من قبضة المجون والقهر والفساد، فقام عليه السلام بوضع النهج العبادي الذي سعى من خلاله لحماية العقول والقلوب من الغرق في مستنقعات الانحراف التي أسّست لها ودعمتْها أنظمة الحكم الأموية.

واشتمل هذا النهج العبادي خطوات شكلت خرائط عمل واضحة المعالم، يهتدي بها المسلمون إلى اختيار الطرق والخطوط الصالحة لحفظ الدين، والابتعاد عن الخداع والزيف الذي مارسته الحكومات الاموية القمعية واحدة تلو الاخرى، لهذا تصدى الإمام زين العابدين لجميع الخطط السامة التي استهدف المسلمين ودينهم وإيمانهم، وكان الإمام في وقته مرجعا شاملا للمسلمين يرجعون إليه في كل شيء، وليس في جانب واحد محدّد.

النشاط العبادي الدؤوب

أما النهج العبادي للإمام السجاد عليه السلام، فقد تضمن عدة خطوات واضحة، ليس فيها غموض أو تعقيد، وما على المسلمين سوى الاطلاع العميق عليها، لكي يفهموها جيدا، ويستوعبوها، ويتعلموها بالصورة الصحيحة والدقيقة، وأول هذه الخطوات (الجدية التامة والنشاط الدؤوب في العبادة، وعدم التراخي في هذا الجانب مطلقا.

فالمسلمون جميعا يجب عليهم مواصلة الأعمال والانشطة العبادية المختلفة، بشكل متواصل وبجدية عالية، من دون ملل او كلل، لأن هذه الجدية دليل على قوة الإيمان والتقوى، وهذا ما أكد عليه الإمام زين العابدين عليه السلام، وطالب الجميع بعدم التساهل في هذه النقطة كونها ركيزة عبادية في غاية الأهمية.

وفي خطوة أخرى مهمة أيضا، غرس الإمام قيمة من القيم العليا في قلوب الناس، عندما علّمهم ودرّبهم على تحطيم الغرور في دواخلهم وأنفسهم، وعلّمهم على أن الأعمال الكبيرة التي يقوم بها الإنسان يجب أن لا تدفع به نحو الغرور، ومنها العمل العبادي المتواصل، فيجب أن لا يُصاب الإنسان بالغرور لأنه يؤدي أعمالا عبادية كبيرة وكثيرة ومتواصلة.

وقد كرّر الإمام زين العابدين عليه السلام، أمام عامة الناس، بأن عبادته لا تصل إلى مستوى عبادة جدّه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، أو جده أمير المؤمنين عليه السلام، وفي هذا التصريح ضربة قوية للنفس وصفعة قوية أيضا للغرور الذي قد يجد له مكانا هنا أو هناك في قلوب ونفوس بعض المسلمين، لكن هذا الأمر غير مقبول عن الإمام وعلّم جميع مُريديه وطلبته ومؤيديه على نبذ الغرور كليًّا.

ومن الخطوات العبادية التي اشتملت عليها خرائط النهج العبادي للإمام زين العابدين، زرع الشعور بالتقصير في نفوس وقلوب المؤمنين بخصوص أداء حق الله تعالى من العبادات، فكلما يقدمهُ الإنسان المؤمن من أنشطة عبادية لله عز وجل، يبقى أقل مما يتطلبه المستوى العبادي بدرجة أعلى وأكثر وأعمق وأشمل حين تتعلق بما يقدمه العابد إلى الله تعالى.

العفو والصفح عن الآخرين

هذا ما كان يتميز به الإمام زين العابدين عليه السلام في أدائه للأنشطة العبادية، حيث يدعو المسلمين إلى الشعور بالتقصير في هذا الجانب، حتى يتولد لهم الحافز الكبير والمتواصل لبلوغ الدرجة العبادية التي توازي أو تقترب مما يريده الله تعالى من عباده.

الخطوة الأخرى وهي تتعلق بجانب الأخلاقيات، ويظهر هذا الجانب جليًّا في سيرة الإمام السجاد عليه السلام، فالأخلاق الحسنة هي واحدة من أهم الخطوط التي تخللها النهج العبادي للإمام، بحيث قدّم جهودا تعليمية كبيرة في مجال تعليم المؤيدين والطلبة والأتباع والمقرّبين للقيم الصحيحة، والأخلاق الكريمة التي يجب أن يتحلى بها المؤمن الحقيقي.

كذلك يتضمن النهج العبادي مسألة العفو عن الآخرين الذين يُخطئون، والتأكيد على عدم رد الإساءة بمثلها، وذلك ترسيخا لنهج التسامح بين المسلمين، وزيادة في تماسك وصلابة المجتمع الإسلامي، وهذا درس آخر يأتي ضمن النهج العبادي للإمام، وما على المسلمين حاضرا ومستقبلا إلا الالتزام به وتطبيقه أملا بإصلاح أنفسهم وأمتهم ومجتمعهم. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى