“صيفٌ سويسريٌّ”.. شتاءٌ غاضبٌ لوطنٍ مازال يحترق

عمر السراي..
لستُ أبالغ إذا قلتُ: أنا أفرح بصدور رواية لإنعام كجه جي أكثر من فرحي بصدور كتابٍ لي؛ فالكتاب الجديد الخاص بأديب ما، يضع الكاتب على المنصّة فيخسر متعة التلقّي، بينما يضعك كتابُ مؤلِّفكَ المفضّلِ في مقعد كبار الشخصيات مدلّلاً بحروفه اللؤلؤ وأنتَ تتابع أدقَّ التفاصيل، وكجه جي مؤلّفتي المفضّلة. أسوق هذه الكلمات للحديث عن روايتها (صيف سويسري) التي صادف أن أقرأها في (شتاء عراقي) فيا لها من مفارقة تُلقّن الذهن درساً في بلاغة الغرابة.
وبعد..
ببساطةٍ لا يُجيدها إلا من قطع أشواطاً من الخبرة، تعيد الروائيةُ إرسالها الكلمات كجدّةٍ محبوبة يجلس قربها الصغار في زيارة عيد، فتهديهم كل دقيقة ما تخبّئه في صناديقها من مقتنيات وحلوى وأقاصيص، هذا باختصار إحساسي الشخصي وأنا أقرأ لإنعام كجه جي دائما، وفي روايتها الحالية، تعاود الكرّة لكن من زاوية أكثر حنكة؛ هي زاوية التكثيف غير المعقّد، فالكم الهائل من التاريخ والزمن والصراعات كبيرٌ بالنسبة لعدد صفحات الرواية التي لا تتجاوز الـ(١٧٤) صفحةً من القطع المتوسط.
ولأني -هنا- لا أريد أن أمارس النقد، إنّما أكتفي بالتبشير إزاء عملٍ مهمّ، والدعوة لقراءته، أقول: هي الروايةُ الشيّقة التي استطاعت أن تعطي الهويات المتصارعة درساً بالركل، لدرجة أنّها عرفت كيف ترمّز تارةً، وتصرح تارةً أخرى، لتسحب المكوّنات التي تظنُّ بأنّها تختزل الحقيقة من ياقتها، وتحنّطها فيما تستحق من عارٍ أو مجد أو عزلة.
(صيف سويسري) شتاءٌ غاضبٌ لوطنٍ مازال يحترق، وحكاية لاجئين متنافرين عاشوا الزمنين؛ الـ(ما قبل) والـ(ما بعد) فالروايةُ صوتٌ حرٌ يجري على لسان كلّ شخصيّة متفرّدة بتوجّهاتها، تضع القارئ في حيادية نادرة ليكون حاكماً مطلقاً، إن خالفَ رسالة الرواية أو وافقها.
هي دعوة لقراءة هذا العمل المحكم، ومحاسبة الجالسين في (مقهى الوفاق) و(مقهى الشقاق) ومحاسبة أبنائهم وأحفادهم، والخروج برأي مضاد أو مؤيد، فالقارئ وحده هو صاحب القرار.
قد تكون مدينة (بازل) السويسرية منجى من (بغداد)..
- (بازل) التي يقول عنها السارد العليم: (جئناها مجانين ونغادرها أشد جنونا).
- (بازل) التي جرّبت علاجها لنسف ذاكرة العراقيين من دون جدوى حتى صرخ السردُ في الرواية وتكلّم حين ذكر (كم طناً من حبوب خضراء وحمراء وقرمزية تطرح مصانع سويسرا لإطفاء هذا البركان؟)
- لا تحفلوا بما كتبتُ أنا، فأنا قارئٌ يقف في الوسط، وينظر إلى الحرائق في (صيف سويسري) من الأعلى في الضد من رؤى نقّاد (وجة النظر) في السرد، واعتمدوا على ذائقة سهلة تحبُّ وتكره وتتّهم وتوالي وتُبرّئ وتخون وتفي…إلخ
لقد آن الأوان لنعيد التفكير بقراءتنا، ونخلع عنها ولو قليلاً من عنجهية متسرّبة إليها من كثرة الكتب، فإنعام كجه جي، لا يُمكن لها أن تُقرَأ -وأكررها برأيي الشخصي- إلا بذائقة الطفل الذي لا مازال يتشوّق للقاء الجدّة صبيحة عيد، ليُدخل يده الناعمة في مغارات خبيئتها الدافئة، لقد فشلتُ في أن أكون هذا الطفل، وبقيتُ ساعات أفسّر لنفسي (لماذا اختارت الكاتبة استخدام النقطة (.) وسيلة فصل بين الجمل المتتابعة ولم تستخدم الفارزة (،) المعروفة؟) حتى بان ذلك سياقاً في العمل، وبقيتُ أحفرُ معلّلاً ومفسّراً أشياء عدّة أخرى كعادتي.
لقد قرأتُ الرواية بنظّارة عجوز، فاكسروا نظّاراتكم قبل القراءة واسمعوا الصوت وثقوا به، فالصوتُ أصدقُ من البصر في قراءة الروايات الجميلة، وهذه روايةٌ فائقة الجمال.
(صيف سويسري) روايةٌ تُبلعُ كالعقار الطبّيِّ الذي تتحدّثُ عنه، العقار الذي لم يُجدِ نفعاً في تغيير قناعات محفورة في ذاكرة من صوان.



