اخر الأخباراوراق المراقب

حث الإسلام على التواضع 

لابد من المعلّم القدوة، والحجة على الناس، حتى لا يقولوا لا نعرف، أو لم نسمع بكذا وكذا، والأئمة الأطهار عليهم السلام، هم الحجة على الناس، ولهذا السبب كانوا يُظهرون شخصياتهم في بعض الأحيان، حتى لا يتركوا للناس فرصة تبرير ما يرتكبونه من معاصٍ أو خطايا، ولهذا السبب أظهر أئمة أهل البيت بعض المعلومات عن أنفسهم لكي يعرفهم الناس ويتخذوا منهم أسوةً حسنة، وأن يتواضعوا كما يتواضع أعظم الخلْق شأنا عند الله.

وطالما أن الأنبياء والأئمة الأطهار (عليهم السلام)، حملوا الرسالة الإلهية وانطلقوا في متاهات الأرض الواسعة لهداية البشر، فلابد في هذه الحالة أن يعرفهم هؤلاء الناس، حتى يقتدوا بهم، وحتى لا يبقى لأيٍّ منهم أي عذر أو تبرير أو حجة لكي يخرج عن المسار الصحيح، وهو مسار الاستقامة الذي يجب أن يتوفر عند كل البشر الصالحين.

التواضع يفرض على الإنسان عدم التبجّح بأي شيء، فليس مقبولا من الإنسان أن يتبجح بنسبهِ، ولا مركزه الاجتماعي ولا الوظيفي، ولا بالأموال التي يمتلكها، ولا بالسلطة، وهذا ما فعلوه أهل البيت عليهم السلام، ولكن في حالات خاصة عرّفوا عن أنفسهم لهدف واضح تم ذكره سابقا.

ومع أن قضية التعريف كانت مهمة عندما يتعلق الأمر بأئمة أهل البيت، لكن مع ذلك سعى أئمتنا الأطهار إلى التخفي وعدم الاجهار ولا الاظهار، حتى لا يُحسَب الأمر بادرة من بوادر التبجح، ولهذا السبب أصرّ الأئمة عليهم السلام على التخفي، لكي لا يتم وصفهم بعدم التواضع، لاسيما أن أعدائهم في ذلك الوقت كثيرون.

المتواضعون أحباب الله

فالإمام علي (عليه السلام) في حكومته، كان يخرج سرّا تحت جنح الظلام، لا أحد معه مطلقا، يدور على البيوت وفي شتى المناطق، ليساعد المحتاجين، الذين كانوا لا يعرفونه أيضا، وهذه الأمور والأفعال كانت في وقتها غير معلنة ولا معروفة، ولكن التاريخ دوَّنها وثبَّتها بالأدلة والشهود والبراهين التامة، وذلك بعد استشهاده، فكانت مثل هذه المساعدات تتم بشكل سري تواضعا وخشية مما يبثّه الأعداء من تقوّلات وفتن لا علاقة لها بالصدق ولا بالواقع.

كانت هناك جروح وكدمات في منكبيّ الإمامين الحسين والسجاد عليهما السلام، أي أن هذه الجروح موجودة في الظهر وليس في الصدر، فأثارت حفيظة أولئك الذين لا يثقون أو يشككون، أو بعضهم يريد أن يفهم، لماذا هذه الإصابات في الظهر وليس في الصدر مع أن الإمامين (الحسين والسجاد) حالهما كحال جميع الأئمة المعصومين، عندما يقالون الأعداء لا يدبرون، وتتم مواجهة أعدائهم بالصدور وليس بالظهور.

فيما بعد عُرِفَتْ الأسباب للجميع، المتسائل الصادق والمشكك، فهذه الكدمات والجروح الملتئمة الموجودة في ظهريّ الإمامين، ليست نتيجة المعارك، لأنهما لا يدبران، وإنما السبب هو حملهما للجراب ليليا والدوران والتجوال الليلي على الأبواب والبيوت وتوزيع الإعانات والأغذية للمحتاجين، ونتيجة لثقل هذه المعونات تكونت الجروح والكدمات.

تواضع الأئمة عليهم السلام، جعلهم يخفون ما يقدمون للناس، وحتى لا يقعون تحت صفات هم أسمى وأعلى منها كثيرا، فكانوا يقضون ساعات طويلة من الليل يدورون على الأبواب لتوزيع الإعانات بشكل سري.

لا تحقّروا ولا تستصغروا أحداً

في بعض الأحيان قد نرى إنسانا بسيطا في مظهره الخارجي، فربما يكون ملبسه عادي، ولم يركب سيارة من طراز حديث، ولا يحمل موبايل ماركة، بل هو إنسان كل شيء فيه يدل على أنه إنسان عادي أو بسيط، فهل يجوز الانتقاص من شخصه، والتقليل من شأنه وقيمته؟

كلا، لأن مثل هذا الفعل ليس صحيحا، بل هو مرفوض بشكل قاطع، فقد يكون هذا الإنسان البسيط أكثر قيمة عند الله من إنسان آخر متبجح وغير متواضع ومغرور بأمواله وسلطته، لكن بعد نهاية الدنيا لا تبقى قيمة للسيارات الفارهة والأملاك وناطحات السحاب، القيمة الحقيقية تبقى لمن قدم الخير للناس ولنفسه، لذلك كان الأئمة الأطهار (عليهم السلام) قلّما يعرَّفون بأنفسهم، إلا عند الضرورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى