الإعجاز القرآني في الحروف المقطعة

(الحروف المقطعة) التي نجدها في سورة البقرة وفي كثير من السُّور القرآنية الأُخرى ظاهرة أثارت الكثير من الأسئلة والاستفهامات.
وفي تعيين المقصود بهذه الحروف يوجد هنالك اتّجاهان:
الاتّجاه الأوّل: يرى أنّ هذه الحروف من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلاّ الله والراسخون في العلم، فهي مجهولة المفاد لنا إطلاقاً، وقد نصّ الله سبحانه على وجود المتشابهات في القرآن الكريم بقوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) (إلى أن يقول): (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ).
الاتّجاه الثاني: يرى أنّ هذه الحروف من (المحكمات) فمدلولاتها معلومة والمقصود بها متّضح.
وفي هذا الاتّجاه هنالك عدّة تفسيرات:
ألف ـ إنّ هذه الحروف إشارة إلى أسماء الله سبحانه وصفاته، وقد ورد في الأدعية مناجاة الله بها فقد جاء (يا (كهيعص) ويا (حم *عسق).
كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «(أَلَمْ) هو حرف من حروف اسم الله الأعظم المقطّع في القرآن، الذي يؤلِّفه النبيُّ (صلى الله عليه وآله) أو الإمام فإذا دعا به أُجيب.
ب ـ إنّها إشارة إلى بعض الحوادث والآجال المستقبلية، وذلك طبق حساب الجمل الذي كان متداولاً في العصور القديمة.
جـ ـ إنّها إشارة إلى أهمّية الحروف الهجائيّة، ومزيد العناية الربّانية بها؛ لأنّها محور الشرائع السماوية والكتب الإلهية، بل بها تقوم الحياة الاجتماعية للبشر، ولأجلّ ذلك جعل الله سبحانه (البيان) ـ المتمثّل في النطق بها ـ موازياً لخلق الإنسان، فقال تعالى: (خَلَقَ الإِنْسَانَ *عَلَّمَهُ الْبَيَانَ).
وقد استغنى بذكر ما ذُكر منها عن ذكر البواقي، كما يُستغنى بذكر (أ ـ ب ـ جـ ـ د) عن ذكر الباقي، وبذكر (لاُمِّ عَمروٍ باللِّوى) عن ذكر باقي القصيدة.
د ـ إنّها تبيين لوجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم.
ونلقي هنا بعض الضوء على هذا الاحتمال الأخير.
فمن الواضح أن كلّ شيء يستند في قوامه إلى علّتين:
أُولاهما: العلّة المادية.
والثانية: العلَّة الصوريّة.
مضافاً إلى علّتين أُخريين يتوقّف عليهما وجود المعلوم، وهما (العلة الفاعلية) و(الغائية) إلاّ أنّ هاتين العلّتين غير داخلتين في قوام المعلول.
أمّا العلّة الماديّة؛ فهي المادة (الخام) التي يتكوّن منها الشيء. وأمّا العلَّة الصوريّة؛ فهي الصورة التي تفاض على تلك المادة، فتكون شيئاً من الأشياء بحياله.
فالسرير ـ مثلاً ـ له علّة ماديّة هي (الخشب) أو (الحديد) أو نحوهما ـ وله علَّة صورية هي هذا الشكل الخاص الذي يمتاز به السرير عن الباب أو المنضدة ونحو ذلك.
والقرآن الكريم في هذه الآية الكريمة يبيّن أنّ المواد التي تكوّن منها هذا القرآن في متناول أيديكم أيُّها البشر، فهو مكوّن من (ألف ـ لام ـ ميم) و(كاف ـ ها ـ يا ـ عين ـ صاد) ونحوها من الحروب الهجائيّة فعجزكم عن الإتيان بمثل هذا القرآن، بل بسورة واحدة من مثل سوره، دليل على المصدر الغيبي لهذا الكتاب.
ومن الجدير بالذكر أنّ كلمة (ذلك) يشار بها إلى (البعيد)، بينما كلمة (هذا) يشار بها إلى القريب.. ـ على ما هو المتبادر من إطلاق هاتين الكلمتين ـ والبعد تارة يكون ماديّاً وذلك عندما تكون هنالك فاصلة مكانيّة أو زمانيّة كبيرة تفصل بين شيئين. وأُخرى يكون معنويّاً وذلك عندما يكون الشيء عالي المقام رفيع المنزلة، والقرآن الكريم وإن كان قريباً إلى الأذهان من ناحية وضوح دلائله وجلاء براهينه، ولذا استُخدمت كلمة (هذا) مشاراً بها إلى القرآن في قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ، إلاّ أنه بعيد عنها من ناحية عجز البشر عن الإتيان بمثله؛ ولذا استُخدمت في مقام بيان هذا الإعجاز كلمة (ذلك) في قوله تعالى: (أَلَمْ ذَلِكَ الْكِتَابُ) فهو بعيد في إعجازه، رغم أنّ الحروف التي يتألف منها في متناول جميع البشر ـ حتّى الأطفال والصبيان منهم ـ.
مؤيّدات
وهنالك مؤيّدات تعضد هذا التفسير:
الأوّل: إنّ أغلبية السور التي وردت فيها هذه الحروف المقطّعة أعقبتها بالإشارة إلى القرآن الكريم.
ونذكر فيما يلي بعض النماذج:
1 ـ (أَلَمْ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِين).
2 ـ (المص *كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ).
3 ـ (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ).
4 ـ (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ).
5 ـ (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).
6 ـ (طسم *تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ).
7 ـ (طس ً تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ)
8 ـ (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)
9 ـ (حم *تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)
10 ـ (ق ً وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)
إلى غيرها من الآيات الكريمة.
الثاني: بعض الروايات الواردة في الموضوع.
فعن الإمام العسكري (عليه السلام) أنه قال: «كذّبت قريش واليهود بالقرآن وقالوا: «سحرٌ مبين تقوّله» فقال الله: (أَلَمْ ذَلِكَ الْكِتَابُ) أي: يا محمَّد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك هو بالحروف المقطّعة التي منها «ألف ـ لام ـ ميم» وهي بلغتكم وحروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، واستعينوا على ذلك بساير شهدائكم، ثم بيّن أنّهم لا يقدرون عليه بقوله(قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا).
الثالث: لم يحدثنا التاريخ أنّ العرب اتخذوا من هذه الحروف المقطّعة وسيلة للطعن في القرآن الكريم، والسُّخرية به، مع أنّهم كانوا يحاولون النفوذ من أيّة ثغرة مزعومة للنيل من القرآن، وهذا دليل على أنّهم كانوا يفهمون مغزى هذه الحروف ولو إجمالاً. فتأمّل.



