أركان التنمية في نصوص الإمام علي (ع)

تشكّل نصوص الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر حينما ولّاه حكومة مصر، المدخل والمفتاح الرئيس للإحاطة بمنظومة فكرية وقيمية متكاملة، تعكس المبادئ والمنطلقات والأسس العامة للتنمية الاقتصادية والبشرية والبيئية المستدامة في منهجه (عليه السلام)، وتلقي الضوء الكاشف على مقوماتها وأركانها، وعلى الرغم من أن كلماته (عليه السلام) لم تتضمن مفردة التنمية كمصطلح، إلا أن تعبيراته تمتلك طاقة فريدة على ضبط إيقاع مسيرة التنمية وحركتها، والتأشير على حقيقتها ومقوماتها بوضوح الدلالة، ونطق المادة والهيأة كما سيظهر، كما تكشف كلمات أخرى له (عليه السلام) في العهد نفسه عن ترابطاتها والعلائق بين أركانها.
بين مقاييس النمو ومقياس التنمية
فقد قال (عليه السلام): (هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ، فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ: جِبَايَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا) كما قال (عليه السلام): (وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ).
ومن المعروف في بحوث (التنمية الاقتصادية) أن علماء الاقتصاد وضعوا مؤشرات مختلفة كمقاييس للتنمية، نظير: زيادة متوسط دخل الفرد أو دخل الأسرة أو الدخل الإجمالي، أو زيادة حجم الإنتاج والناتج المحلي الإجمالي أو الناتج القومي الإجمالي أو زيادة إمكانيات الناتج الإجمالي، أو زيادة حجم الاستهلاك الكلي.
لكنّ الإمام (عليه السلام) يضع مقياساً أوسع نطاقاً وأعمق غوراً وأكثر إنسانيةً وأقرب للعدالة والإنصاف، كما أنه أكثر مرونة، إضافة إلى أنه يتميز على جميع تلك المقاييس بأنه مقياس للتنمية بينما تشكل تلك المقاييس بالأساس مقياس النمو. والمقياس الذي وضعه الإمام (عليه السلام) مقياس مزدوج، يتكوّن من ركنين:
ركنا التنمية: استصلاح الناس وعمارة البلاد
الركن الأول: (اسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا)، كهدف وضابط عام للتنمية البشرية، ولكنه يشمل، في الوقت نفسه وبإطلاقه، التنمية الاقتصادية أيضاً، كما سيأتي.
الركن الثاني: (عِمَارَةَ بِلَادِهَا)، كهدف وضابط عام للتنمية الاقتصادية والبيئية.
ولم يقتصر (صلوات الله عليه) على ذلك، بل أشّر على الآليات والسياسات التي تتكفل بالوصول إلى ذلك وأهمها:–
أولاً: السياسة المالية المناسبة، والتي قد تكون توسعية عبر خفض الضرائب والخراج، وعبر زيادة الإنفاق على البنى التحتية والدفعات التحويلية، وعبر السياسة المالية الشعبية التوسعية، كما فصّلنا ذلك كله في الكتاب السابق وهذا الكتاب، وقد تكون متشددة، كما أشرنا إليه في إحدى البحوث.
وثانياً: اللوائح التنظيمية الميسّرة، بل تلك التي تطلق العنان لاقتصاد السوق مع قيد واحد فقط، وهو منع الاحتكار، كما فصّلناه عند تناول قوله (عليه السلام): (ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ…).
وثالثاً: بتمتين العلاقة بين الحكومة والأمة، عبر إقرار منهج متطور يبتني على الحكم بالرأفة والرحمة، والمحبة والشفقة، زائداً على العدل والإحسان، كما فصّلناه في بعض بحوث هذا الكتاب، وبذلك يتكفل (عليه السلام) باستنهاض الطاقات الكامنة في الأمة للمساهمة الفعالة الإيجابية في مسيرة التنمية باعتبار الأمة هي الذخيرة الكبرى والثروة العظمى التي توفر الوقود الاستراتيجي للتنمية الشاملة.
رابعاً: تحصين منجزات الأمة عبر جهاد العدو الداخلي والخارجي، أما الداخلي فهو الذي يتجسد في الفساد المالي والإداري، وسيأتي تفصيله في بحث آخر، وأما الخارجي فيتمثل في جهاد العدو المهاجم والغازي الغاشم، والذي يلفت الأنظار أنّ الضمير في قوله: (جِهَادَ عَدُوِّهَا) يعود إلى مصر مما يعني عدو الوطن والبلاد الذي يستهدف أمنها واستقرارها أو ثرواتها واقتصادها وشبه ذلك.
فالتنمية إذاً ليست عملاً اقتصادياً فحسب، ولا هي عملية كمّية، بل هي عمل نهضوي إنساني ـ اجتماعي ـ اقتصادي يستهدف حياة أهلها بالاستصلاح، ونواحي بلادها بالإعمار، وهي عملية شاملة تعمّ جميع المستويات وتنهض بمختلف الجهات.



