اخر الأخباراوراق المراقب

الجهاد بالتقية

قال اللّه تعالى في كتابه الكريم: (وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ * وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ).

إن اللّه سبحانه وتعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، واختار أفضل الطرق لهداية الناس، فعلّم تلك الطرق لرسوله محمّد (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، ومن بعدهم تلقّى الفقهاء العظام هذه التعاليم، عن رسول اللّه والأئمة (عليهم السلام)، وذكروها في الكتب الفقهية، وبينوها للناس.

إن من السنن الدنيوية معارضة منهج الباطل لمنهج الحق: فقال سبحانه: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ)، وقال تعالى: (وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ).

ففي زمان الرسول (صلى الله عليه وآله) كان المنافقون يتربّصون به الدوائر، قال تعالى: (وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ)، وقال عزّ وجلّ: (وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ)، وقد وصف اللّه سبحانه وتعالى حال المنافقين بقوله: (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ).

وأمّا بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله) فقد ظهرت حسيكة النفاق، وأزالوا الأئمة (عليهم السلام) عن مراتبهم التي رتبهم اللّه فيها، ولم يكتفوا بذلك بل استعملوا جميع الأساليب لإطفاء نور اللّه سبحانه وتعالى، بدءاً من التصفية الجسدية بالقتل، إلى الحصار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، إلى افتراء الأكاذيب، لكن هذا النور لم يُطفأ؛ لأن اللّه سبحانه وتعالى أراد له ذلك إرادة تكوينية فقال: (يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِ‍ُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ)، وقال: (يُرِيدُونَ لِيُطۡفِ‍ُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ)، فإرادة اللّه التكوينية موجودة، ولكن اللّه سبحانه وتعالى جعل هذه الإرادة عن طريق الأسباب الظاهرية غالباً، وهذا ما نشاهده في حياة رسول اللّه محمّد (صلى الله عليه وآله) في مكة والمدينة حيث أوذي في اللّه وجاهد طوال حياته، فقد كان (صلى الله عليه وآله) يجاهد الكفار عن طريق الأسباب الظاهرية، وقد نفّذ ما أراده اللّه سبحانه وتعالى.

وهكذا كان حال الأئمة (عليهم السلام)، فقد أوصلوا لنا هذا الدين عن طريق الأسباب الظاهرية عادةً.

ومن أفضل الطرق التي حفظت الدين، وأوصلته إلينا ـ وهو سبب لهداية الناس في طول التأريخ ـ ما يعبّر عنه بعض الفقهاء بالتقية المُداراتيّة، أو ما يسمى بالاصطلاح الجديد بالتعايش والسلم الأهلي. وقد يعبر عن هذا الأسلوب بالجهاد، فقد يجاهد الإنسان أعداءه عبر التقية، فهو ليس ذلاً وخنوعاً، بل هو جهاد.

إن الأئمة (عليهم السلام) أمروا شيعتهم بالجهاد عن طريق التقية، وذلك لإعلاء كلمة اللّه سبحانه وتعالى. والتقية من أهم الأسباب التي حفظت الشيعة أوّلاً، ثم كانت سبباً لانتشار التشيع ثانياً، ففي زمان من الأزمنة لم يكن يشكل الشيعة إلّا واحدا بالألف من المسلمين أو أقل، وأمّا الآن فالنسبة كبيرة جداً. وقد تحقق هذا بسبب هذا الأسلوب الذي اتخذه الأئمة (عليهم السلام)، وأمروا به شيعتهم.

تكالب الأعداء وموقف العلماء الربانيين

إننا نرى ما حدث في السنين الأخيرة من تكالب الأعداء على شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث القتل وهتك الحرمات وغير ذلك، فلم يترك الأعداء منكراً إلّا فعلوه، لكن اللّه سبحانه وتعالى أعلى كلمة الشيعة؛ وذلك بسبب اتّباع الشيعة للفقهاء الربانيين، الذين أرشدوهم إلى تعاليم أهل البيت (عليهم السلام).

إن بعض الدول وبعض أئمة النفاق، حرّضوا سفهاءهم على قتل الشيعة عبر العمليات الانتحارية في العراق وغيره، ومن المعلوم أن الإنسان عندما يُقتل قريب له فسوف تشتد عنده القوة الغضبية، إلّا أن الشيعة كانوا يتمسكون بالعقلانية وبالشرع، ويتمسكون بالقرآن الكريم وسنّة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وسيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، ووصايا الفقهاء الربانيين.

إننا هنا لا نتكلم عن الجانب السياسي والآثار العظيمة، والنفع العظيم الذي ترتّب للشيعة بسبب امتثالهم لوصايا المراجع العظام، وإنّما نتكلم عن الجانب الشرعي، فالإسلام يقول: إذا عُرف القاتل وثبت ذلك بالأدلة والموازين الشرعية، وعند حاكم شرعي، فيجوز لأولياء المقتول أن يطالبوا بالقصاص.

لكن في حالات القتل العشوائي كيف يُعرف القاتل؟ وإذا أردنا أن ننتقم فربما يُقتل البريء، فوظيفة مراجع الدين هي حفظ الناس، وتبليغ الدين، ومن أهم الأمور في الشرع الدماء، وهي من الأمور التي يجب الاحتياط فيها، فإذا قتل الناصبي مجموعة من الشيعة فلا يجوز لأي شخص أن يذهب وينتقم ويقتل البريء. إن الإنسان لا يجوز له قتل الكافر البريء فكيف بالمسلم؟

والحاصل: إن الفقيه مأمور بحفظ دين الناس، ومن ذلك الالتزام بأحكام الشرع، ومن أهم أحكام الشرع حرمة الدماء، فالفقيه مكلّف بإرشاد الناس إلى حفظ الدماء وعدم القتل العشوائي، وعدم أخذ البريء بجريمة المجرم.

صحيح أن المواضيع الجزئية ليست من شأن الفقيه، وإنّما يلزم على المكلّف أن يشخّصها، لكن المواضيع العامة شأن الفقيه، وفي الحديث: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة اللّه عليهم»، فالموضوع العام غير مرتبط بتشخيص الإنسان العادي، وإنّما هو مرتبط بتشخيص الفقيه الجامع للشرائط.

إن الشيعة تكبّدوا خسائر كبيرة لكن النفع الذي وصلهم عظيم جداً، وهذا النفع تمثّل في سمعتهم الطيّبة في كل العالم، فلا ينبغي على الإنسان أن ينظر إلى الإعلام الناصبي الذي يريد أن يقلب الحقائق، فإن العقلاء يعرفون أن من يحمل هذا الدين يؤمن بالسلم، وبعدم الاعتداء، وبعدم أخذ البريء بجريرة المجرم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى