اخر الأخباراوراق المراقب

لماذا يطلب المؤمن الهداية الى الصراط المستقيم؟

بعد أن أعلن المؤمن، انخراطه في سلك (الموحّدين) ـ توحيداً في (العبادة) متمّثلاً في قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، وتوحيداً في (الأفعال) متمثّلاً في قوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ـ بعد ذلك يتّجه إلى الله سبحانه ليطلب منه أن يهديه (الصراط المستقيم)، فإذا كان المؤمن يستمّد العون الإلهي في كلّ شؤون حياته بقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) فإنّ أجدر شيء يتوجّه إلى الله فيه هو، أن يعينه على السير في (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).

والسؤال هو: كيف يطلب المؤمن في هذه المرحلة الهداية مع أنّه مهديّ بالفعل؟ أليس ذلك تحصيلاً للحاصل؟. ويمكن أن يجاب عن ذلك بإجابتين:

الإجابة الأُولى:

إنّ الهداية صفة قابلة للزوال، لذا فإنّ المؤمن يطلب من الله سبحانه أن يديم له هذه الصفة، ويثبّته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ولتوضيح ذلك نقول: الصفات تتنّوع إلى نوعين:

النوع الأوّل: الصفات التي يستحيل انفكاكها عن موصوفها، فما دام (الموصوف) ثابتاً فـ(الوصف) ثابت أيضاً، نعم يمكن زوال الوصف بزوال موصوفه، ولكنّ ذلك لا ينافي استحالة الانفكاك؛ إذ إنّما تُفرض الاستحالة في ظرف بقاء الموصوف، ولا يكون ذلك إلاّ في (الأوصاف الذاتية).

وخصيصة الذاتي: عدم افتقاره إلى علّة وراء علّة وجود الذات، فَعِلّة وجود الذات كافية في وجود الوصف الذاتي، بل لا يعقل وجود علّة تفيض الوجود على الذاتي بعد وجود علّة الذات؛ لكون ذلك تحصيلاً للحاصل، إذ بوجود (الذات) ـ بالذات ـ يوجد (الذاتي) بالتبع فلا معنى لإفاضة الوجود عليه مرة أُخرى.

ويمكن أن يمثَّل لذلك بـ(زوجية الأربعة) فهي وصف ذاتي للأربعة يستحيل انفكاكها عنها ما دامت الأربعة موجودة، كما أنّها لا تفتقر إلى علّة وراء علّة وجود الأربعة. وهكذا الأمر في «إمكان الممكن» ونحو ذلك من الصفات الذاتيّة.

النوع الثاني: الصفات التي لا يستحيل انفكاكها عن موصوفها، فيمكن زوالها وإن كان الموصوف باقياً.

وان لهذه الصفات عللاً، فهي تحتاج إلى عليّة مستّقلة لكي توجد ـ وإن اتّحد شخص العلّة المفيضة ـ كما لا بد من استمرار العلّة لكي تستمر، فإنّ العلّة الموجودة ليست كافية في بقاء المعلول ما لم تكن هنالك علّة مبقيةٌ أيضاً ـ سواء اتَّحدت مع العلَّة الموجدة أم اختلفت ـ ومتى قطعت العلّة فيضها عن المعلول فإنّه سوف ينعدم فوراً، كما تنعدم صورنا الذهنّية بمجرّد سلب التوجُّه عنها. ويمكن أن نمّثل لذلك بـ(علم) الإنسان و(قدرته) ونحو ذلك من صفاته العَرَضية.

وصفة (الهداية) من النوع الثاني؛ لوجود خواصّه فيها، ولذا فإنّ من الممكن جدّاً أن يكون الإنسان (مهديّاً) في حقبة من حياته، ثمّ تسلب من هذه الصفة ليخرج عن (الصراط المستقيم) إلى طرق الضلال والانحراف.

ومن هنا: كان المؤمن يتوجّه إلى الله سبحانه باستمرار في كلّ يوم عشر مرّات ـ على الأقل ـ في صلواته الخمس المفروضة، ليقول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ). أي: ثبّتنا على الصراط المستقيم.

وهذا المعنى هو المرويّ عن الإمام العسكري (عليه السلام)، حيث قال في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ): أدم لنا توفيقك الذي به أطعناك فيما مضى من أيامنا، حتى نُطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال في الآية: يقول: أرشدنا إلى الصراط المستقيم، أرشدنا للزوم الطريق المؤدّي إلى محبّتك، والمبلغ دينك، والمانع من أن نتّبع أهواءنا فنعطب، أو نأخذ بآرائنا فنهلك.

وقد أشارت الأحاديث الكريمة إلى أنّ الإيمان يمكن أن يُسلب من المؤمن.

فعن أبي الحسن الأوّل [الإمام كاظم] (عليه السلام): أنه سُئِلَ عن قول الله (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ)؟ قال: “المستقر الإيمان الثابت، والمستودع المعار”.

وعن أبي عبد الله [الإمام الصادق] (عليه السلام) قال: إنّ العبد يصبح مؤمناً ويُمسي كافراً، ويُصبح كافراً ويمسي مؤمناً، وقوم يُعارون الإيمان ثمَّ يُسلَبونه، ويُسمَّون المُعارين، ثمّ قال (عليه السلام): فلان منهم.

الإجابة الثانية:

إنّ (الصراط المستقيم) مفهوم عام يشمل ما لا يُعدّ ولا يحصى من المصاديق الخارجية.

فلكلّ شيء صراط مستقيم، وله أيضاً سبل منحرفة كثيرة تتناثر على جانبيه.

فكلّ عقيدة تؤمن بها. وكلّ فكرة تنبض في ذهنك. وكلّ عمل تقوم به. وكلّ موقف تتخذه يمكن أن تقع ضمن الصراط المستقيم، كما يمكن أن تقع ضمن (السبل المنحرفة).

إنّ أمام الإنسان ـ في كلّ لحظة من لحظات حياته ـ خيارات متعددة، والإنسان يجب أن ينتخب إحدى هذه الخيارات.. وهنالك أسئلة كثيرة تنتصب أمامه في كلّ لحظة، تتناول كلّ جزئيّة من جزئيات حياته.. وفي كلّ لحظة يمكن أن يختار السير في الصراط المستقيم، أو يختار السير في السبل المنحرفة، ومن هنا: فإنّه يسأل من الله سبحانه أن يهديه الصراط المستقيم في كلّ فكرة وعقيدة، وعمل وموقف.

وحيث أنه لم يقيّد (الصراط المستقيم) في الآية الكريمة بقيد خاص، فإنّه يفيد الشمول لكلّ شيء، فإنّ حذف المتعلَّق يفيد العموم ـ كما ذكره علماء البلاغة.

وقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) استرشاد لدينه، واعتصام بحبله، واستزادة في المعرفة لرِّبه عزَّ وجل ولعظمته وكبريائه.

وعن الإمام العسكري (عليه السلام) في حديث قال: “فأمّا الطريق المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلو، وارتفع عن التقصير، واستقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى