اخر الأخبارثقافية

التشكيلي حامد سعيد يعيد صياغة أسطورة سومرية تسكن أعماق كل عراقي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد رحيم يوسف أن التشكيلي حامد سعيد يعيد صياغة أسطورة سومرية تسكن أعماق كل عراقي.

وقال يوسف في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: بنظرة سريعة على خارطة التشكيل العراقي المعاصر بإمكاننا القول إن البصرة تشكل واحدة من اهم حواضن الفن التشكيلي العراقي المعاصر ، ومع ان بغداد هي الحاضنة الكبيرة لهذا الفن غير انها لم تنفرد في انجاب العدد الأكبر من الفنانين التشكيليين العراقيين وكانت أهميتها بكونها العاصمة ومصدر الشهرة والاضواء وقد شكلت البصرة الحاضنة الأكبر في هذا المضمار عبر اسماء كبيرة حققت منجزات كثيرة  تركت بصمتها في سماء الفن ومازالت ، غير ان ارتباط الكثير من ابنائها بجذور نشأتهم حرم السواد الاعظم من جمهور التلقي من التعرف إلى تجاربهم الفذة ، ولكثرة الاسماء لا يمكننا ذكرها بهذه العجالة ، ويصب ما ذكرناه في باب التنويه لهذه المدينة العظيمة وما تركه ابناؤها في حاضر الفن التشكيلي العراقي المعاصر ، وانا اكتب عن فنان ترك أثرا في الساحتين التشكيليتين البصرية على وشك الخصوص والعراقية عامة الا وهو الفنان الشاب حامد سعيد .

وأضاف :إن ” الفنان قد يجد صعوبة في عمله باتجاهين ويتخطاهما ، غير ان التحرك في اكثر من اتجاهين تصبح مهمته بالغة الصعوبة وليست مستحيلة  ، وذلك بان يسعى الفنان للإنتاج الفني عبر ممارسته باعتباره شغفه الاول وتعليمه باعتباره وسيلة للعيش  من اجل  الكشف والاكتشاف  ثانيا وإنشائه قاعة للعرض التشكيلي لتصبح متنفسا فنيا وقناة تبث الوعي الجمالي في زمن بات فيه القيح مستشريا ثالثا ، وتلك مهمة تتطلب جهودا مؤسساتية تفوق المهمتين الأوليَينِ لاسباب يعرفها الجميع ، والفنان هنا قد اخلص للفن وكرس حياته في سبيله متخليا عن راحته الشخصية بكل تأكيد من اجل مثل أعلى ألا وهو هو نشر الفن وخدمة البلاد والفنانين دون شك ، من هنا فان تجربة الفنان التشكيلي البصري المبدع حامد سعيد كانت بالاتجاه الذي تحدثنا عنه وذلك عبر تأسيسه قاعة للعرض الفني في محافظة البصرة تحت مسمى ( كاليري حامد سعيد )”.

وتابع :يتزامن ما اكتبه الان مع النشاط الفني الكبير المقام في القاعة والذي يضم اعمالا لواحد وثلاثين فنانا من مختلف المحافظات العراقية وهم جزء من نخبة الفنانين العاملين في الداخل العراقي تحت عنوان ( بصرة ارت في كاليري حامد سعيد ) ، ويمكننا ان نعده بداية للموسم الغني الجديد ، وأنا شخصيا أعد هذا المعرض وما يماثله مستقبلا ردا عمليا على سيل المعارض المشتركة التي باتت تقيمها الكثير من الروابط والمؤسسات الفنية الأهلية التي تهمتم بالكم ولا تهتم بالنوع الا باستثناءات قليلة ، والتي حولت الفن الى مادة للانتفاع المادي بعيدا عن رقابة المؤسسات الفنية الرصينة التي لا تتصدى لهذه الظاهرة المتنامية للأسف الشديد”.

وأوضح :”أنه عبر معرضين شخصيين وسيل من المشاركات في المعارض الجماعية والمشتركة أسس الفنان  حامد سعيد لذاته بصمة اسلوبية واضحة تشير اليه على الصعيد الشخصي ، ومع انه يعمل ضمن نطاق التعبيرية والتجريدية التعبيرية ، الا انه اثبت تميزه ، وذلك عبر سطوح تصويرية تمتلك آليات اختلافها عما هو سائد والتي قد تتشابه مع تجربة من هنا أو هناك الا ان ذلك لا يشكل سُبة ما في عمله على اعتبار ان المناخ العام والمعطيات الموجودة واحدة ، غير ان نظرته الى الأشياء هي التي ميزت اختلافه ، وعلى الصعيد اللوني ،  يشكل اللون على سطوحه التصويرية مسارا واضحا يشير اليه ، وهو في معظم تلك السطوح يميل الى خلق الترف الجمالي من خلال بهجة اللون وهو ما يدل على نزوعه باتجاه خلق عالم افتراضي موازٍ لعالمه المعاش ، لتبدو السطوح وكأنها اقتراحات لبدائل ذلك الواقع المليء بالتشوه والبشاعة ، وهو بهذا يحيلنا الى المضمر في داخله والذي يدعو الى الدخول إلى عيادته النفسية من اجل الخروج من التشوهات البصرية المحيطة به وبنا جميعا وتصحيحه لها اذا جاز لنا التعبير ، فيفلح بذلك في الكثير من الاحوال ، وهو ما يتضح مع تعاطيه مع النخلة التي تشكل الجزء الاهم في ذاكرته الصورية في مرحلة الطفولة حيث نشأ في (  ابو الخصيب ) وهو يشهد سيل الاعدامات الجماعية للنخيل التي حولتها الى ما يشابه اعواد المشانق في ثمانينيات القرن الماضي في حرب الثماني سنوات التي اشعلها الطاغية المقبور ، وهو يدونها بصريا بذات الدهشة الطفولية التي بقيت تلازمه “.

واستدرك “لكنه في أحوال أخرى يعود لذات الواقع ويتمثله بالوان تختلف كليا عما سبق ، وهذا لا يعد نكوصا ، بل هو تعبير عن الواقع من اجل محاولة تغييره باتجاهات أخرى تتساوق مع ذات الافتراض الذي اقترحه في ألوانه فيما سبق  ، كما في مجموعة الاعمال التي عرضت في قاعة أكد والتي تماهت مع كارثة جفاف الاهوار والتي نفذها على الورق المقوى ( الكارتون ) مع انها تنوعت بين التقشف اللوني والسواد” .

وبين :أن”حامد سعيد وفي عمله المدهش الذي جسده كمرثية لرحيل صديقه المبكر الفنان التشكيلي فؤاد هويرف ، لم يذهب بعيدا في اختيار الوسيط الامثل للتعبير لانه استلهم جزءا مهما من تكوين النخلة ( الكربة ) وهو الجزء الذي يشكل القاعدة التي تربط السعف بالجذع ، ليحولها الى تابوت حمَّله دلالات رمزية كبيرة عن ثنائية الحياة/ الموت مستلهما بقاء النخيل واقفا حتى بعد اعدامه الذي مر ذكره للدلالة على استمرار الحياة كوجود ولو على سبيل الذكرى ليس الا”.

وأتم :إن”حامد سعيد يشكل اسطورة جديدة بل يعيد صياغة اسطورة سومرية / جنوب العراق ، والتي تسكن في أعماق كل جنوبي/ عراقي فلا غرابة في أن يعيد تشكيل الاسطورة أو مجموعة الأساطير،  فهو ابن لها وكان قد تشرَّبها منذ نشأته الأولى وحتى قيامته “.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى