التجديد الديني.. رؤية وخبرة

زكي الميلاد..
من يتأمل في مجموع مؤلفاتي المنشورة التي فاقت ثلاثين كتابا، سوف يجد أن كلمة تجديد هي من أكثر الكلمات التي وردت وتكررت في عناوين هذه المؤلفات، ووجدتُ أنها وردت وتكررت في ثمانية مؤلفات، ممتدة من سنة 1994م مع صدور كتاب: (الفكر الإسلامي بين التأصيل والتجديد)، إلى سنة 2013م مع صدور كتاب: (تجديد أصول الفقه)، وما زالت هناك مؤلفات أخرى في طريقها إلى الصدور، تحمل في عناوينها كلمة تجديد.
وهذا يعني أن كلمة تجديد هي من الكلمات المفتاحية في هذه المؤلفات، لمن يريد البحث عن تلك الكلمات في هذه المؤلفات، كما تُعد هذه الكلمة أبرز سمة ظاهرة على هذه المؤلفات من جهة الورود والتكرار.
وإذا كانت هناك من دلالة على ذلك، فهي تدل من جهة على طبيعة الهاجس الفكري الساكن في هذه المؤلفات، والذي ينزع نحو التجديد، ويدل من جهة أخرى على طبيعة المنحى الفكري الذي اقترب منه، وأحاول الانتساب إليه، المنحى الذي يتخذ من التجديد سمة وأفقا ومسارا، ويدل من جهة ثالثة على طبيعة الاشتغال الفكري المتتابع والممتد في هذا النطاق.
ولعل الدلالة الأهم هي إمكانية الربط بين هذه المؤلفات، التي تجلت فيها من ناحية الظاهر سمة التجديد، وجاءت هذه السمة في مؤلفات متتابعة، تتصل فيما بينها وتترابط، كما لو أنها تمثل نسقا فكريا يتخذ من التجديد سمة له، وإطارا جامعا.
وفي إطار هذا الحقل من الدلالات، يتبين أن فكرة التجديد قد حافظت على اتصالها في هذه المؤلفات، وعلى تتابعها وتراكمها، ولم تكن مجرد فكرة عابرة أو منقطعة أو مبتورة، كما يتبين أيضا أن هذه الفكرة قد جرى فحصها في هذه المؤلفات واختبارها وتجريبها، من وجوه عدة، ومن أبعاد مختلفة، وبحسب قضايا وموضوعات متنوعة.
وبحكم هذه المتابعة المستمرة، والخبرة المتحصلة منها، تبلورت عندي أطروحة في التجديد الديني، تحددت في العناصر والمكونات الآتية:
أولا: إيقاظ روح التجديد وإنه يبدأ منذ لحظة انبعاث روح جديدة متطلعة إلى التجديد، وسريان هذه الروح في شرايين الفكر، فمع انبعاث هذه الروح يتوثب الفكر نحو التجديد، وهذه اللحظة تعد من لحظات اليقظة والوعي والإشعاع، إذ يكتشف الفكر فيها لحظته التأريخية للنهوض والانطلاق، وهي من اللحظات الفريدة التي لا تشرق على الفكر في أي وقت، ولا تمر عليه في كل حال، وهذا هو منشأ فرادة هذه اللحظة.
وحين تنبعث هذه الروح، فإنها تولد طاقة هائلة في الفكر، تدفع به نحو البقاء والديمومة والتصميم على إنجاز مهمة التجديد، كما تتولد منه قوة، هي أشبه بقوة النمو التي لا تستطيع أن تقف في طريقها أية قوة أخرى، فبقوة النمو تستطيع نبتة صغيرة وناعمة أن تخترق الحجر وطبقة الإسفلت الصلبة، حتى تظهر إلى الوجود.
والبحث عن تجديد الفكر الديني هو لإيقاظ روح التجديد في بنية هذا الفكر، لأنه بدون إيقاظ هذه الروح، لن تكون للتجديد فاعليته المنتظرة، ولن يُكتب له البقاء والديمومة، ولن يصل إلى مداه الذي يتحقق فيه فعل التجديد.
ثانيا: استعادة منطق الاجتهاد، لعل أهم حقيقة يمكن أن نقررها في مجال الحديث عن تجديد الفكر الديني، هي أن مهمة التجديد لا يمكن النهوض بها، والتقدم المستمر في هذا الطريق، وبالمستوى الذي يحقق درجة عالية من الإنجاز، إلا إذا استعاد العلم الإسلامي، واستعاد المسلمون منطق الاجتهاد، وتعاملوا مع الفكر الديني بهذا المنطق.
فهذا المنطق هو الذي يفسر لنا كيف استطاع المسلمون في عصرهم الأول تأسيس العلوم، واكتشاف المناهج، وابتكار النظريات في مختلف ميادين العلم والمعرفة، وكيف صنفوا لنا تلك المؤلفات والموسوعات الجليلة والخالدة، التي كشفت عن الروح العلمية الفائقة والمدهشة التي تميزوا بها، وكيف تمكنوا من بث الروح في علوم الآخرين التي تعرفوا إليها، واعتنوا بها، كعلوم اليونان القديمة، ولولاهم لاندثرت تلك العلوم، ولما تعرف إليها العالم اليوم.
وبمنطق الاجتهاد يتحرر الفكر الديني، من أصنام التبعية والتقليد والجمود، ويتخلص من أوهام الرهبة والهيبة والشعور بالضعف، ويكتسب شجاعة النظر، وعزيمة الكشف، وقوة الابتكار، فهو المنطق الذي يتطلب إعمال العقل بأقصى طاقته، والسعي لامتلاك ناصية العلم، والإحاطة بكل ما تتطلبه عملية البحث والكشف من شروط معرفية ومنهجية.
فالاجتهاد هو نقيض التبعية والتقليد، والفكر الديني لا يمكن له أن يتجدد إذا لم يتحرر من صنمية التبعية والتقليد، وهذه هي مشكلتنا، فنحن لا ننتج المعرفة، وإنما نقلد الآخرين ونتبع سبيلهم، ونجتر ما عندهم من أفكار ومعارف، وهذا ما نعرفه نحن عن أنفسنا، وما يعرفه الآخرون عنا كذلك، ولن نتخلص من التبعية والتقليد إلا بالاجتهاد.
من هذه العناصر العلاقة بين تجديد الفكر وتقدم الحياة، إن تجديد الفكر الديني ليس مجرد عملية فكرية، تستند على البحث والتحليل النظري المجرد، المنقطع عن الواقع الموضوعي، وعن حركة الحياة، فمنظورات الواقع الموضوعي لها تأثيراتها الحيوية في عملية تجديد الفكر الديني، لأن الفكر ليس إطارا أو نظاما مستقلا أو منفصلا عن الواقع الموضوعي، أو قابلا للتفكيك والتركيب بطريقة العزل التام عن السياقات الموضوعية، وبقدر ما يفرض الفكر منظوراته على الحياة، بقدر ما تفرض الحياة كذلك منظوراتها على الفكر وطبيعة حركته واتجاهاته.
وتختلف منظورات الحياة في تأثيراتها على الفكر، بحسب مستويات التقدم والتراجع فيها، وبحسب هذه المستويات يتأثر الفكر في منظوراته، وطبيعة حركته واتجاهاته، فمنظورات التجديد في ظل الحياة المتقدمة، تختلف قطعا وبدرجات كبيرة عن منظوراته في ظل الحياة غير المتقدمة.
ويتجلى هذا الاختلاف ليس في الأبعاد المنهجية والمعرفية لهذه المنظورات فحسب، وإنما يتجلى حتى في الأبعاد التي لها طبيعة نفسية واجتماعية، وهي الأبعاد المنعكسة قوة وتأثيرا في درجات ومستويات الاستعداد النفسي والاجتماعي، وكيفية طرائق التعامل مع فكرة التجديد من هاتين الجهتين النفسية والاجتماعية.
وفي كثير من الأحيان تكون المعضلات النفسية والاجتماعية، أشد قوة وتأثيرا من تلك المعضلات المنهجية والمعرفية، في التعامل مع فكرة التجديد في الفكر الديني.
وهذا يعني أن مهمة التجديد في الفكر الديني، لن تسير بطريقة مستمرة وفاعلة إلا إذا تقدمت الحياة في المجتمعات العربية والإسلامية، وما لم يحصل هذا التقدم فإن مهمة التجديد ستظل متعثرة، أو لن تسير بطريقة مستمرة وفاعلة.
ومن هذه العناصر كذلك، العلاقة بين تجديد الفكر وتقدم العلم، هناك تساؤل لا بد من طرحه، والتأمل فيه، عند الحديث عن تجديد الفكر الديني، والسؤال هو: هل يتجدد الفكر بدون تقدم العلم؟
يبدو أن هذا السؤال من الأسئلة التي لم يُفكر فيها كثيرا، ولم يُطرح على نطاق واسع في المجال الفكري العربي والإسلامي، ولعله من الأسئلة التي ما زالت مهملة، وبعيدة عن المجال التداولي، ولا أتذكر جيدا في حدود مطالعاتي الفكرية، فيما إذا كان قد مرَّ عليّ من قبل أم لا، وبهذا النمط من الصياغة والتركيب
ولا شك في أهمية هذا السؤال وقيمته، وهو بحاجة إلى مزيد من النظر والتحليل، ومن التفكيك والتركيب المنهجي والمعرفي، الفكري والتأريخي، ومن خلال العودة إلى التجربة الفكرية التأريخية في المجال الإسلامي، وإلى التجارب الفكرية التأريخية الأخرى في المجال الإنساني، لتحليل هذه العلاقة، والتثبت منها، وتكوين المعرفة بأبعادها وخلفياتها، وتفسير طبيعتها، والكشف عن بنيتها، والتعرف إلى العناصر والمكونات المؤثرة فيها، وما يحيط ويتصل بها من جوانب أخرى.
والذي قادني إلى هذا السؤال، مقولة اشتهرت عند المفكرين الغربيين المعاصرين، تقول: (لولا نيوتن لما وجد كانتْ)، أي لولا التقدم العلمي العظيم الذي حققه إسحاق نيوتن (1642-1727م) في عصره، لما توصل إيمانويل كانت (1724-1804م) إلى فلسفته في العقلانية النقدية، وهي الفلسفة التي أسسها كانت، وشيد بنيانها، وأقام قواعدها على أساس فيزياء نيوتن، وكشوفاته وفتوحاته العلمية.
وما هو ثابت أن العلم كان دائما يزود الفكر بالحقائق والبراهين والتجريبات، الجازمة والقاطعة، التي تضمن له تماسكه المنهجي، لكي يستند الفكر على حقائق ثابتة، ويرتكز على أسس برهانية، وحتى يوازن بين كليات العقل وجزئيات العلم، وبين تجريدات الفكر وتجريبات العلم.



