اراء

قرعة الحج على سنة العميد محمود

بقلم: منهل عبد الأمير المرشدي..
في ثمانينيات القرن الماضي، كنّا في مدرسة الشؤون الإدارية بمركز تدريب مشاة التاجي في دورة كتاب مجندين، أيام الحرب المفروضة مع إيران وعند انتهاء الدورة تجمعنا ليلقي علينا مدير المدرسة العميد محمود كلمة قال فيها (شباب اتركوا الواسطات ولا داعي للتوسط واطمئنوا الى قرعة العميد محمود في توزيعكم بعدالة على وحدات الجيش العراقي) اطمأن الجميع وتركنا أمرنا الى الله وقد كانت الحرب طاحنة في تلك الأيام، وقفنا في طابور طويل ليصل كل منّ ينادون باسمه الى العميد محمود الذي كان يجلس على كرسي وأمام عينه قائمة بالأسماء وعناوين السكن ويمسك في يده اليمنى كيساً أبيض من القماش، فيما كانت يده اليسرى داخل الكيس، وكل من يصل اليه يمد يده داخل الكيس، ويخرج ورقة صغيرة مكتوب بها عنوان الوحدة العسكرية التي سينقل اليها.. لاحظ الجميع ان نقلات المنتسبين (التكارته) ابناء تكريت وابناء الموصل والأنبار تكون الى قواعد القوة الجوية ومديريات التجانيد أو وحدات ثابتة داخل بغداد!!! أما ابناء الجنوب والفرات الأوسط و(الشروكية) بشكل عام، فتكون نقلاتهم الى الخطوط الأولى في جبهات القتال في الوحدات الفعالة!!! تعجب الجميع ولا ندري ما العلة في قرعة العميد محمود حتى جاءني الدور يومها، وأنا اقرأ آية الكرسي في قلبي ومددت يدي بقوة داخل الكيس فصدمتها من دون قصد بيد العميد محمود، فانفرطت وتساقطت أوراق كان يحفظها بكفّه وأخذت إحداها فكانت جناح طيران الجيش الأول!!! شتمني حينها وأوقف القرعة لساعة كاملة حتى أعيد ترتيب مسرحية القرعة من جديد… نعود الى قرعة الحج بعدما أستبشر الناس خيرا واستبشرنا مع المستبشرين بكل الخير، بما تم الإعلان عنه رسميا بأنه يتاح للراغبين التسجيل بقرعة الحج، إما بشكل إلكتروني من خلال الموقع الإلكتروني أو يكون من خلال جميع مراكز وكافة أقسام الشرطة بكافة مديريات الأمن، أو سيكون من خلال الاتصال برقــم هاتفي معلن، واستبشر الناس خيراً أكثر واستبشرنا معهم أكثر وأكثر وفقاً لما أعلن بأنه سيَقتصـر أداء فـريضة الحج على مــن لم يسـبـق لهم تأدية فريضـة الحــج طــوال حياته، وتكون بشرط تقديم شهادة تحركات من خلال الإدارة العامة بالجوازات والهجرة والجنسية، صدقّ الناس وصدقّنا مع المصدّقين وعلى حب الله وأهل البيت الطيبين الطاهرين وبطيبة الطيبين تقدم الراغبون بالاشتراك في القرعة وقدمنّا مع المتقدين وقالوا انتظروا فكنّا وكانوا من المنتظرين ولكن (لاحظت برجيلها ولا خذت سيد علي) فقد تبين بالملموس والمحسوس، ان القرعة في الموجود هي قرعة العميد محمود… فلا قرعة ولا هم يحزنون!!! سبحان الله… فأية قرعة هذه التي تتصرف بحكمة الحكماء وعقول الفلاسفة فيفوز فيها عوائل النواب والوزراء وأقاربهم دون سواهم!!! أي قرعة هذه التي يفوز فيها أقارب رؤساء الكتل السياسية وأعضاء أحزابهم وعوائلهم بنسبة 90%!!! أي قرعة هذه التي يفوز فيها مديرو مكاتب الوزراء والمسؤولون ويفوز فيها الشباب والصبايا من المقربين للمسؤولين والمتملقين لهم، ولا يكون فيها نصيب للفقراء ولكبار السن الذين لم يؤدوا فريضة الحج لبيت الله الحرام سابقا. سبحان الله!!! ألهذا الحد وصلت الجسارة والوقاحة حتى مع فريضة حج بيت الله الحرام؟ ألا تخشون الله ان كنتم تعرفوه أو تذكروه؟ ألا تستحون من الله أو من أنفسكم، إن كان فيكم ذرة من الحياء، ولا نظن ذلك أبدا، فلم تتركوا شيئاً إلا ودنستموه بأوساخ فسادكم حتى مقدسات المسلمين وطقوس العبادة والشعائر، ألا لعنة الله على الظالمين.. ما لكم كيف تحكمون؟ ما لكم ومع من تمكرون والله خير الماكرين، ولله درك سيدي ومولاي الإمام جعفر الصادق حين كان يؤدي الفريضة، فبشروّه بكثرة الحجيج، فقال لهم: “ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج؛ ما حججت إلا أنا وناقتي وعلي بن يقطين”.
أخيراً وليس آخراً نقول: اننا ندري ان كلامنا لا ينفع، فليس هناك من يستحي والمثل المصري يقول: (اللي اختشوا ماتوا).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى