كيف تؤثر الزيارة الأربعينية على الصحة النفسية؟

تحقق زيارة الاربعين امتداد ذلك الاتصال للإنسان مع الوجود، مع الحياة، مع الغاية، مع الحرية، فالانفصال يؤدي إلى الاضطراب، وضياع الانتماء، لكن الاتصال يؤدي إلى إحساس الإنسان بالانتماء والغاية والوجود، وبالنتيجة تحقيق الاستقرار والسكينة.
(هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) الفتح.
السكينة تعني أن يكون الإنسان مطمئنا وليس قلِقا، أما في المقابل فيحدث القلق والاضطراب، في حين الاطمئنان يعني الهدوء والدِعة، والراحة النفسية (ليزدادوا إيمانا)، مقابل أولئك الذين ازدادوا ريبا، فالإنسان الذي يكون مؤمنا دائما يراكم من إيمانه فوق ايمانه، فيخشع قلبه ويزداد إيمانه، وهكذا تتضاعف سكينة الإنسان في أعماق نفسه.
فالعبادات والزيارات والشعائر تؤدي إلى زيادة ارتباط الإنسان بالله سبحانه وتعالى، وبأهل البيت (عليهم السلام)، وهكذا يستقر الإنسان ويزداد هدوء وسكينة ويعيش حياة رغيدة وسعيدة.
النقطة الثانية: بناء اليقين وإنقاذ الإنسان من الشك والتردد والريب
وبالتالي إنقاذ الإنسان من التآكل الداخلي، فحين يأتي الإنسان إلى زيارة الأربعين هدفه من ذلك ليس لكي يأكل الطعام، بل هدفه إحياء هذه الشعيرة وبناء اليقين في ذاته، حتى يستطيع أن يعيش قويا في حياته، وينتزع الشك والتردد من نفسه، وهكذا نرى في هذه الشعيرة الكبيرة العظيمة هذا التآلف والتراحم بين الناس، فيشعر الإنسان بالوجود، ويزداد يقينا، وبالنتيجة يستطيع أن يعالج نفسه ويخلصها من الأمراض والاوهام النفسية والعقائدية التي قد تنتابه.
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد .
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)، الفجر .
فالزيارة تزيد الاطمئنان عند الإنسان، وهذا كله ترابط مع الله سبحانه وتعالى، فعلى الإنسان أن يخرج من دنياه، ويعطي من أمواله، ويبذل من عطائه ومن جهده، كما نلاحظ بعض الناس، ربما هو يعيش في بيت مرفّه جدا، لكنه يسير في الشوارع حافيا، هذا الإنسان يعيش حالة من الزهد من أجل بناء اليقين في نفسه مع الله سبحانه وتعالى.
لذلك يجب على الأب الذي عنده أولاد وكذلك هو نفسه، أن يشارك في زيارة الأربعين، حتى يحقق البناء المعنوي واطمئنان قلبه، ويبني العقيدة القوية، ويبني الصحة النفسية القوية السليمة له ولأولاده.
وعن الإمام علي (عليه السلام): (ما أعظم سعادة من بوشر قلبه ببرد اليقين) ، وهذا معاكس للإنسان الذي يعيش الاضطراب وعدم اليقين، والتردد والحيرة، هذا الإنسان يشتعل قلبه وتحترق نفسه بسبب الشك، لذا عليه بطلب اليقين، حتى يطفئ تلك النار فيبرد قلبه.
فأعظم سعادة للإنسان أن يحصل على السكينة والاطمئنان، يحصّل بأن يبرّد قلبه باليقين، وأكبر تعاسة للإنسان أن يعيش مشتعلا بالشك والتردد نتيجة لعدم اليقين.
لذا فإننا عندما نقرأ زيارة الأربعين نقرأها بوعي، فكل كلمة في هذه الزيارة تعليم لنا، وحجة علينا، فحين تقرأ الكلمة عليك أن تقرأها بوعي ويقظة، وأن تفهمها جيدا (وَبَذَلَ مُهْجَتَهُ فِيكَ لِيَسْتَنْقِذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحَيْرَةِ الضَّلالَة، وَقَدْ تَوازَرَ عَلَيْهِ مَنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيا وَباعَ حَظَّهُ بِالاَرْذَلِ الاَدْنى وَشَرى آخِرَتَهُ بِالثَّمَنِ الاَوْكَسِ وَتَغَطْرَسَ وَتَرَدّى فِي هَواهُ).
في هذا المقطع الثاني شرح للمقطع الأول، عن أولئك الذين وقعوا في حيرة الضلالة، وهم المرضى والمضطربون النفسيون، هؤلاء الأراذل الذين باعوا أنفسهم بثمن بخس، بالأدنى، فقد سقط في التكبر والعبودية لهواه، وأصبح عبدا لأهوائه، وهكذا فهو يخسر الدنيا والآخرة في نفس الوقت.
هذه هي نتيجة هؤلاء المرضى النفسيين الذين يعيشون الحياة بتعاسة، لذلك فإن الهدف من زيارة الأربعين، أو من نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، هي نهضة إصلاحية، وزيارة الأربعين لتجديد البيعة ونصرة متواصلة للإمام الحسين (عليه السلام) من خلال عملية بناء اليقين، وانتشال الإنسان من حيرة الضلالة، ومن هذا السلوك الذي يتردى الإنسان في هواه، فيوقعه في أدنى مراتب التسافل والانحطاط.
لذا فإن الهدف من زيارة الأربعين هو بناء اليقين، وإنقاذ الإنسان من العلل النفسية، والأمراض النفسية، والانحراف العقائدي، ولهذا السبب نقرأ في زيارة أخرى: (وبذل مهجته فيك، ليستنقذ عبادك من الضلالة والجهالة والعمى والشك والارتياب إلى باب الهدى من الردى)، فالهدف هو الهداية والتخلص من كل هذه الأمراض، وإلى الهداية من الردى وهو يعني الموت الرديء أو الموت السيّئ.
فهدف الإمام الحسين (عليه السلام) هو انتشال الناس من الضلالة والجهالة والانحراف الى اليقين والسكينة والاطمئنان والاستقرار، فعن الإمام علي (عليه السلام): (نعم طارد الهموم اليقين) ، أي ان أهم خطوة لطرد القلق من نفس الإنسان هو اليقين، لهذا فإن بناء اليقين عند الإنسان هدف مهم جدا، لأنه هو الذي يطرد الأمراض النفسية عن الإنسان.
ثالثا: تحقيق الارتباط الاجتماعي
وذلك من خلال مجموعة القيم القائمة على العطاء والانفاق والإحسان والتعاطف وحسن الظن بالآخرين، فالعلاقات الاجتماعية القائمة على المبادئ والقيم الفطرية تؤدي الى شفاء الانسان النفسي.
(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) آل عمران/103، كما ان ممارسة سلوكيات التضحية والعطاء والايثار والاحسان، تؤدي الى انتزاع الانانية من ذاته، وبالنتيجة تؤدي تسليم نفسه لله تعالى، وهذا من أعظم السلامة والصحة النفسية، حيث يستقيم الإخلاص في نفسه، عندما يختزن قلبه الانوار الإلهية، وعندما تغيب عن نفسه اغلال المادية الدنيوية التي تتسبب بأساه وتعاسته، فمن يحسن فإنما يحسن لنفسه.
(بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة 112.
وأخيرا فإن زيارة الأربعين بما تحويه من شعائر وعطاء تؤدي الى التقوى، والتقوى تؤدي الى بناء الصحة النفسية، لأنها تقيه من الوقوع في الشبهات والذنوب والمعاصي التي تتسبب بالاضطرابات النفسية الملوثة للقلب.



