حرب الإبادة تساهم في العودة إلى كتابات الراحل غسان كنفاني

محمود منير..
يكتب غسان كنفاني: “دعنا نتّفق بأنّه في زمن الاشتباك يكون من مهمّتك أن تحقّق الفضيلة الأولى، أي أن تحتفظ بنفسك حيّاً. وفي ما عدا ذلك يأتي ثانياً. ولأنك في اشتباك مستمر، فإنه لا يوجد ’ثانياً‘. أنت دائماً لا تنتهي من ’أولاً‘”؛ واصفاً زمن الاشتباك حيث: “لا تعرف كيف يمرّ المقاتل بين طلقتين طوال نهاره”، ترتسم مناخات قصة “الصغير يذهب إلى المخيم”، في مجموعة “عن الرجال والبنادق” (1968).
في تسع لوحات – قصص، يستحضر الكاتب الشهيد (1936-1972)، أزمنة من تاريخ المقاومة الفلسطينية، لا حدود زمنية فاصلة بينها، فهي تبدو مشتقّة من فكرة واحدة لا تموت، إنما يتعدّد المؤمنون بها في مواجهة الرافضين لها، المستسلمين لكل أشكال الاستعباد والاستغلال والاستعمار. هنا تظلّ خلاصات كنفاني حاضرةً، مؤثرة فاعلة، تتلمّس الجرح ذاته، ولحظة الشك والحيرة والالتباس عينها، وهنا نستوعب استعادته الدائمة، إذ يتواصل منذ العام الماضي صدور طبعات جديدة من أعماله عن عدد من دور النشر العربية، بعد انتهاء حقوق الملكية الفكرية لـ”مؤسسة غسان كنفاني” لنشر مؤلفاته كافةً.
واحدة من هذه الطبعات أصدرتها “دار خطوط وظلال” في عمّان مؤخراً، التي توضّح مؤسّستها ومديرتها الشاعرة هناء البواب، أن “غسان كنفاني كاتب استشرافي، فكلّ ما تحدّث به مبكراً في مرحلة الستينيات، من مواقف وآراء وسياقات سردية، كان لها علاقة عضوية بما يحدث الآن من تحوّلات وتفاصيل لها علاقة بالاحتلال والمواقف العربية، والعالم”. وتضيف “كذلك كان يشير في مؤتمراته الصحافية باللغة الإنكليزية إلى أنَّ هذا العدو لا مجال للحوار معه، ولا يفهم إلا لغة البندقية والتحرير كحقّ للشعب الفلسطيني، وكان يقاتل من أجل ذلك، وهو الكاتب الذي دفَع حياته ثمناً لتلك المواقف. كاتب يعيش بيننا إلى الآن”.
وتتابع البواب “في إعادة إصدار أعماله الروائية، آثرنا أن تكون الروايات بلا مقدمة لكونها روايات مستقلة تماماً، ومعروفة إجمالاً لدى القارئ العربي عامة والفلسطيني خاصة، ولكننا كتبنا للمختارات القصصية مقدّمة كونها مجمّعة من مجموعات قصصية عديدة. هي مقدمة توضّح طبيعة الموضوعات التي تتناولها تلك القصص، وصولاً إلى الجانب الفني لقصصه من باب وضع مفاتيح أمام القارئ لمعرفة كنه تلك القصص وجوهرها، ولأن غسان يُعرف برواياته الأكثر شهرة، فمن هنا تأتي أهمية المقدمة لتسليط الضوء على مجموعات قصصية قمنا باختيار منتخبات منها”.
وتختم البواب بقولها “يبدو لي أن الأحداث الأخيرة، تحديداً بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي أعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة الأولى في العالم، ساهمت بشكل مباشر بالعودة إلى ما كتبه الراحل غسان كنفاني، وهذا يؤشر إلى أحقية كنفاني وأمثاله من المبدعين الذين كانوا يتلمّسون الوجع الفلسطيني بعيداً عن مغريات الحياة الكثيرة، فكان لهم موقف بائن من طبيعة ما يكتبونه بصفته جزءاً من النضال والتحرر من الاحتلال. وهذا أثّر بشكل كبير على تناول كتبه في المعارض العربية والدولية، لإعادة قراءتها بطريقة مختلفة بما يتواكب مع الحدث الأكبر؛ طوفان الأقصى”.
في أحد نصوص يومياته، يدوّن صاحب “عالم ليس لنا”، في الخامس والعشرين من كانون الثاني/ يناير 1961، أنه يستشعر قرب انتهاء “الرحلة القصيرة”، ما دفعه ربما لمزيد من الكتابة، ومزيد من النضال والحياة، التي يتحدّث عنها الناقد والأكاديمي محمد عبيد الله: “تهيأت عدّة أمور لغسان كنفاني لتكفل له حياة أخرى من خلال أدبه وآثاره وسيرته ومواقفه، منها حياته القصيرة (36 عاماً)، وإذا كان قد بدأ كتابته الناضجة وعمله النضالي في سن العشرين، فعمر عطائه لا يتجاوز نحو 15 عاماً، أنجز فيها باندفاع وقوة ما ضمن له البقاء والخلود”.
ويبيّن أنه “في هذه السنين قرأ الأدب العربي والعالمي وحاول أن يرتقي بالنثر الفلسطيني ليكون نثراً معبّراً عن الهوية والمقاومة وعن الشخصية الفلسطينية بأسلوب عالمي رفيع. من مبادئ كنفاني الكبرى أنك لا تستطيع أن تدافع عن قضيتك العادلة بأدب ضعيف أو ركيك، ولذلك لم يكن يتساهل حيال الرداءة باسم الوطنية أو القضية، بل يفرض على نفسه وعلى غيره الارتفاع إلى مستوى القضية بأدب قادر على الصمود والبقاء، استناداً إلى عناصره اللغوية والأسلوبية والرؤيوية. في مقالاته المنشورة باسمه المستعار (مقالات فارس فارس)، تقصّد السخرية من الأدب الرديء وبوجه خاص الأدب الذي ركب الموجة الوطنية وأراد أن يصعد على أكتافها”.
ويضيف عبيد الله “إن كتابات كنفاني، ضمن هذا المعنى، ولدت وفيها أسباب بقائها وحياتها، إنها تنطلق من الواقع والمعيش ولكنها لا تنتهي إليه، وإنّما تحفر عميقاًَ في مكوناته وتصل إلى عمق التجربة الإنسانية الخالدة. وقد نجحت كتاباته في اختبار الزمن، فما زال من أكثر المؤلفين مقروئية وحضوراً بالرغم من مرور أكثر من خمسين عاماً على رحيله شاباً شهيداً اغتالته أيدي الغدر الصهيوني في الثامن من تموز/ يوليو 1972”.
وينبه إلى أن “إقبال دور النشر على إعادة نشر كتبه ومؤلفاته هو استجابة لحاجة الأجيال الجديدة لهذه الأعمال، وهو وإن كان لغاية تجارية غالباً، فإنّه يعبّر عن الطلب الواسع على هذه الكتابات. ولا أرى ما يمنع من استمرار ذلك، فكتاباته غدت ملكاً للقضية الفلسطينية والإنسانية، شريطة بذل الاهتمام والعناية بهذه الأعمال وعدم العبث بها قصداً أو سهواً، ذلك أن بعض النشرات التجارية تتضمن أغلاطاً في الطباعة وإسقاطاً لبعض السطور والفقرات، ولا تقدم النص الصحيح الذي تركه كنفاني بدقة وأمانة”.
ويختم عبيد الله: “بعيد استشهاده تأسست في بيروت لجنة لتخليد ذكراه، ثم تحوّلت إلى مسمّى (مؤسّسة غسان كنفاني)، وقد نشرت هذه المؤسسة أعماله المطبوعة والمخطوطة بأمانة ودقة، بمقدّمات مميزة كتبها كبار النقاد والأدباء، وبعد نفاد طبعاتها صارت أعماله مطمعاً لدور نشر ومطابع مختلفة. ندعو مثل هذه الدور للاعتماد على النصوص الدقيقة التي نشرتها المؤسسة، وأن تبذل العناية الكافية في مطابقتها مع أصولها، لمنع التحريف أو الخطأ في هذه النصوص التي تمثل تركة ثمينة في سجل الأدب الفلسطيني والإنساني”.



