اخر الأخباراوراق المراقب

لماذا نبكي على الحسين (ع)؟

جميل عودة إبراهيم..

 في بداية كل سنة هجرية، في شهر محرم الحرام، يُحيي الشيعة ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) ومعه ثلة من أهل بيته وأصحابه في واقعة كربلاء في السنة (61 ه) وفي كل سنة؛ يتساءل بعض الناس عن أسباب استذكار هذه الملحمة الكبرى التي مضى عليها نحو (1400) سنة، دون غيرها من الأحداث التأريخية.

 ومن بين هذه الأسئلة السؤال الآتي: لماذا تحزنون وتبكون، والحزن والبكاء منهيٌ عنه في الإسلام؟ ولماذا تبكون الحسين (عليه السلام) كل سنة، وهو سيد شباب أهل الجنة؟ كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عَنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: (الحَسَنُ والحُسَينُ سيِّدَا شَبابِ أهلِ الجَنَّةِ).

لماذا تبكون على الحسين (عليه السلام) بالذات دون غيره من الأئمة الأطهار (عليهم السلام)؟ ولماذا لا تبكون على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو أفضل من الحسين (عليه السلام) وأعظم شأنا، ولماذا لا تبكون على أبيه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو أفضل منه، وأعظم شأنا أيضا؟

يُعد الحزن أمرًا فطريًّا طبيعيًّا، يستجيب له الإنسان بشكل لا شعوري، فيحزن على ما فاته، أو أصابه من مصائب الدنيا؛ التي لا تخلو حياة الإنسان منها؛ كفقد الأحبة، أو جفوتهم، أو غير ذلك من المكروهات التي تصيب الإنسان. وقد وردت كلمة (حزن) وصيغها في القرآن الكريم (٤٢) مرة، مثال قوله تعالى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)، وقوله: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا. فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)، وهذا نبي الله يعقوب عليه السلام يحزن على فقد ولده يوسف عليه السلام حزنًا شديدًا كاد أن يهلك من شدته. يقول الله تعالى (وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ. قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حتى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ. قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).

والبكاء حالة تعتري الإنسان من الهم وضيق القلب مع جريان الدمع على الخد. وردت كلمة بكى وصيغها في القرآن الكريم (٧) مرات. قال اللهُ تعالى: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ)، وقوله: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا)، وقوله: (إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا)، وقوله (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ)، فالبكاء عموما دليل الصدق والإخلاص، وهو من سمات الخاشعين، ومن علامات الخائفين، وهو دليل المعرفة والتبصر.

والبكاء سُنّة نبوية ثابتة عند جميع المسلمين. ذكر النسائي في سننه في كتاب الجنائز قوله أن رسول الله زار قبر أمه آمنة بنت وهب فبكى عند القبر وأبكى من حوله. أقول: إذا كان رسول الله قد بكى على الموتى، فكيف يكون البكاء على الميت مُحرَّما، وغير مشروع؟ وقد فعله الرسول (صلى الله عليه وآله) ويعتبر إقرارا، والإقرار سنة؛ لأن فعل الرسول، أو حتى سكوته عن الفعل إقرار منه وسنة فعلية.

وأما الحزن والبكاء لمصيبة الحسين عليه السلام؛ فقد ورد في البكاء على الحسين عن الإمام زين العابدين عليه السلام: بكاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: لمّا أخبر النبيّ بأنّ السيّدة فاطمة تلد الإمام الحسين عليهما السلام، أخبر أيضاً بشهادته، فبكى فلمّا وضعه وأُتي به إليه في تلك الساعة وهو ملفوف في خرقة، أذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثمّ وضعه في حجره، ونظر إليه ورثاه وبكى وهو يقول: “سيكون لك حديث، اللهمّ العن قاتله”، ثمّ لما أتى عليه سبعة أيّام عقّ عنه كبشاً أملح، وحلق رأسه وتصدّق بوزن الشعر وَرِقاً، وخلّقَ رأسه بالخلوق (طيب مركّب من الزعفران) ثمّ وضعه في حجره ورثاه وبكى وهو يقول: “يا أبا عبد الله، عزيز عليّ” ثمّ بكى. ثمّ قال: “اللهمّ إنّي أسألك فيما سألك إبراهيم عليه السلام في ذريّته، اللهمّ إنّي أُحبّهما وأُحبّ من يحبّهما، والعن من يبغضهما ملء السماء والأرض”.

عن ابن عبّاس قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام في خروجه إلى صفّين، فلمّا نزل بنينوى وهو شطّ الفرات، قال بأعلى صوته: “يا بن عبّاس، أتعرف هذا الموضع؟” قلت له: ما أعرفه يا أمير المؤمنين فقال عليّ عليه السلام: “لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتّى تبكي كبكائي”. قال: فبكى طويلاً حتّى اخضلّت لحيته، وسالت الدموع على صدره، وبكينا معاً وهو يقول: “أوه أوه، مالي ولآل أبي سفيان؟ مالي ولآل حرب حزب الشيطان وأولياء الكفر؟ صبراً يا أبا عبد الله فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم”.

وعن الإمام الصادق عليه السلام: “أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين عليه السلام حتّى تسيل على خدّه، بوّأه الله بها في الجنّة غرفاً يسكنها أحقابا”، وقوله في مناجاته بعد صلاته: “يا من خصّنا بالكرامة، ووعدنا الشفاعة… اغفر لي ولإخواني وزوّار قبر أبي عبد الله الحسين… اللهمّ إنّ أعداءنا عابوا عليهم بخروجهم فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على من خالفنا، فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس، وارحم تلك الخدود التي تتقلّب على حفرة أبي عبد الله عليه السلام، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا. ورغم شجاعة السيّدة زينب عليها السلام وصلابتها في كربلاء لم يمنعاها من التأثّر والبكاء عند المصيبة الكبرى والفاجعة العظمى.

ملخص القول إننا نحزن على الحسين ونبكيه وذلك لأجل:

1. مواساة أهل بيت العصمة عليهم السلام: إنّ البكاء وإقامة المآتم يعتبران لوناً من ألوان المواساة لأهل البيت عليهم السلام، والشعائر الحسينيّة هي بمثابة تعزية للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بذبح سبطه وولده الحسين عليه السلام وأهل بيته وسبي عياله، وهذه المواساة نتوسّم منها نيل الأجر وعظيم المثوبة، فإنّ من صفات شيعتهم وأتباعهم أنّهم يفرحون لفرحهم ويحزنون لحزنهم.

2. الإجلال والتعظيم: إنّ البكاء على الحسين عليه السلام هو تعظيم لقدره وتجليل لمقامه وتبيان لعظيم كرامته أمام جميع الناس، وبالتالي فإنّ بكاءنا هنا هو إعطاء شخصيّة الحسين عليه السلام عظمتها ومكانتها في نفوسنا.

3. ظهار المحبّة والولاء: إنّ البكاء على الإمام الحسين عليه السلام يعني أنّنا سلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم وعدوّ لمن عاداهم، فالحزن والبكاء عليه هما إعلان الولاء والانتماء والبيعة له ولأهل البيت عليهم السلام.

4. تعليم مبادئ ثورة الحسين عليه السلام: فالبكاء يستهدف التفاعل القلبيّ والروحيّ مع المبادئ التي طرحها الإمام الحسين عليه السلام والانصهار بها، تلك المبادئ التي خلّدت الإسلام كالمطالبة بالحقّ المغصوب، والرفض القاطع للظلم، والتفاني والإيثار، والجهاد بكلّ غالٍ ونفيس، لذلك اعتبر البكاء على الحسين عليه السلام وسيلة لتربية النفس البشريّة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى