عن ساسة عراقيين لا يعرفون العراق !
ثمة مفارقة تبدو غريبة للوهلة الأولى، لكن وما أن نتخطى لحظة التفكير الأولى، نكتشف أن هذه المفارقة، والمتعلقة بحياتنا السياسية؛ تتأصل يوما بعد يوم.
في هذه المفارقة؛ نجد أن القوى السياسية كلها تقريبا، تتحدث عن أشياء لا تؤمن بها، أو على الأقل، لا تتفاعل معها بشكل حقيقي.
المأزق الأكبر الذي وجدت القوى السياسية نفسها فيه، وبضمنها تلك التي لم تشارك بالعملية السياسية، هو أن المشتركات بينها تكاد تكون مفقودة، وإذا وجد مشترك ما بين قوتين، فإنه لا يتوقع أن يكون موجوداً بين ثلاث قوى، فضلا عن عدم توقع ديمومته إن وجد بين قوتين مثلا، إذ سرعان ما يجري هدمه أو نقضه، بسبب إنعدام ثقافة تطوير المشتركات وحمايتها.
إن تحلل التحالفات السياسية، وغياب الإنسجام داخلها، هو العلامة الأبرز لظاهرة عدم وجود ثقافة المشتركات، وهو مرض تعاني منه كل التحالفات، ولا يقتصر على التحالف الوطني فقط.
إن السبب الحقيقي وراء ذلك، هو أن المشترك الوطني، لم يترق بعد لدى القوى السياسية، الى مستوى أن يتحول الى ثابت مقدس، لا يمكن المساس به، فبقي في داخل عقول بعض المخلصين من الساسة، يتحدثون عنه وبه بين الفينة والأخرى على إستحياء، لأن حديث الذات والفئة والطائفة، والجماعة والحزب، غلب على حديث الوطن.
بالمقابل فإن المشترك الوطني، بقي حاضرا في وجدان العراقيين، وتلك هي المفارقة ،التي تثبت أن الشعب متقدم على الساسة وطنيا.
إن ما يجري اليوم؛ من تدهور خطير في الوضع السياسي، أوصل البلاد الى حافة الإنهيار، والسقوط في غيابة جب مجهول القعر، يدعونا لأن نعيد الى دائرة الوعي، مقولة إن القادة السياسيين، هم أدوات العملية السياسية ومحركوها.
لذا وعلى وقع الوضع الراهن، هم مطالبون اليوم بفهم واقعهم، بعيدا عن الرغائبية بكل أشكالها ودوافعها، وهم مطالبون بأن يتعرفوا على فلسفة بناء دولتهم، وأن يفهموا الخصوصية العراقية، وأن يعوا طبيعة التشكل التاريخي والسياسي والاجتماعي للعراق، بعد أن يدققوا في المحددات والتحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
إن العراقيين لديهم من الثقة ببلدهم وبأنفسهم، ما يعينهم على تلمس مواقع أقدامهم، في عالم متغير مضطرب، تسوده رغبات الوحش الأمريكي وفوضاه الخلاقة!
لكنهم وبكل أسف؛ ليس لديهم ثقة راسخة، بقدرة القادة السياسيين، بصناعة معجزة، في ظل شبكة معقدة، من التحديات والتعقيدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، التي إستخدمها أعداء العراق بوضع السكين على رقبته دائما..
إن بلدنا يعيش جملة تحديات مركبة، بعضها ناجم عن عوامل داخلية، متعلقة بقدراتنا ومواردنا، وسياساتنا وثقافتنا، ومنهجنا في التفكير والسلوك والإدارة، وبعضها خارجي ليس لنا يد في صناعته، لكن علينا واجب التعاطي معه والتقليل من سلبياته.
كلام قبل السلام: بعض من الذين يعدّون أنفسهم نخبا سياسية، يبدون وكأنهم لا يعرفون العراق !
سلام…
قاسم العجرش
qasim_200@yahoo.com



