مسلم بن عقيل .. جيش في فرد

هكذا كان مسلم عندما رأى الرجال يقتحمون الدار فقد جاءوا إلى الموت بأرجلهم فما إن اقتحموا الدار حتى شعروا كأن صاعقة نزلت على رؤوسهم من السماء أما المرأة فقد وقفت وهي مذهولة تنظر إلى هذا الإنسان الذي يواجه هذه الجماعات من الرجال بهذه البطولة والشجاعة المتفردة ولنترك للتاريخ أن يصور لنا تلك البسالة التي أذهلت التاريخ نفسه.
يقول الطبري: (واقتحموا عليه الدار فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه فشد عليهم كذلك).
ويقول المسعودي: (فاقتحموا على مسلم الدار فثار عليهم بسيفه، وشد عليهم فأخرجهم من الدار، ثم حملوا عليه ثانية، فشد عليهم وأخرجهم أيضاً، فلما رأوا ذلك منه ــ أي عجزهم عن الوقوف أمامه ــ علوا ظهور البيوت فرموه بالحجارة وجعلوا يلهبون النار بأطراف القصب ثم يلقونها عليه من فوق البيوت فلما رأى ذلك، قال: أكل ما أرى من الأجلاب لقتل مسلم بن عقيل ؟ يا نفس اخرجي إلى الموت الذي ليس له محيص فخرج إليهم مصلتاً سيفه في السكة فقاتلهم).
ويقول ابن أعثم الكوفي: (وخرج مسلم في وجوه القوم كأنه أسد مغضب فجعل يضاربهم بسيفه حتى قتل منهم جماعة).
كان يهجم عليهم وهو يقول:
هو الموتُ فاصنعْ ويكَ ما أنتَ صانعُ *** فأنتَ لكأسِ الموتِ لا شكَّ جارعُ
فصبراً لأمـــــــــــــــرِ اللهِ جلَّ جلاله *** فحــــكمُ قضاءِ اللهِ في الخلقِ ذائعُ
لم يخطر في بال ابن الأشعث أن الرجال السبعين الأشداء الذين اختارهم لهذه المهمة سيفشلون وسينتهي أمرهم إلى موت بعضهم وفرار البعض أمام رجل واحد !.
رجل واحد حمل صفات الرجل الكامل من شجاعة وبأس ونجدة ومروءة ويقين.. رجل أعاد في أذهان أهل الكوفة شجاعة علي.
رأى ابن الأشعث أصحابه وهم ما بين قتيل وجريح ومهزوم فترك رجاله وذهب إلى القصر يطلب الامدادات وما إن وصل خبر الإمدادات إلى أسماع ابن زياد حتى اضطرب وفزع وشعر بنزوله عليه كأن القصر قد هوى على رأسه فنهض واقفاً وهو يرتعد غضباً وخوفاً وصاح في وجه ابن الأشعث:
ــ بعثناك إلى رجل واحد تأتينا به فثلم في أصحابك هذه الثلمة العظيمة ؟ .
ولكن ابن الأشعث لم يترك استهانة ابن زياد بقوله (رجل واحد) دون رد ليذكره بأنه لم يرسله إلى رجل عادي من الناس الأبرياء الذين يقبض عليهم ابن الأشعث على التهمة والظنة ويودعهم غياهب السجن فبين له من هو هذا الرجل الواحد فقال له:
ــ أتظن أنك بعثتني إلى بقال من بقالي الكوفة أو جرمقاني من جرامقة الحيرة ؟ أما تعلم أنك بعثتني إلى أسد ضرغام وسيف حسام في كف بطل همام !!
زاد رد ابن الأشعث من خوف ابن زياد وأدرك صعوبة المهمة أمام هذا البطل الطالبي فأرسل بالإمدادات على وجه السرعة وهو يزبد ويرعد لكنه لم ينس ما جبل عليه من الغدر فاقترح على ابن الأشعث قائلا:
ــ أعطه الأمان فإنك لن تقدر عليه إلا بالأمان ..
كان ابن الأشعث يعرف ما هو معنى الأمان عند ابن زياد إنه يعني الغدر فنظر إلى ابن زياد نظرة شيطانية وخرج مسرعاً مع عدة من الرجال..
رجع ابن الأشعث إلى حيث مسلم بن عقيل فرأى ذلك البطل وهو يجهز على كل من يتصدى له فخاف أن يكون مصير هؤلاء الرجال كسابقيهم ما دام هذا الرجل حاملاً سيفه وهو ينقض على من يواجهه كالأسد عندما ينقض على فريسته فلجأ إلى مكيدة شيطانه ابن زياد فعرض على مسلم الأمان فرد ابن عقيل على طلب الأمان بقوله:
أقســــــــمتُ لا أُقتل إلا حُرَّا *** وإن رأيتُ الموتَ شيئاً نكرا
كل امرئٍ يـــوماً ملاقٍ شرَّا *** ويخـــــــلطُ الباردَ سحناً مرَّا
رُدَّ شعـــاعُ الشمسِ فاستقرَّا *** أخافُ أن أخــــــدعَ أو أغَرَّا
وهجم عليهم فبدد شملهم وأوقع منهم قتلى.. كان يعرف أن هؤلاء ليس لديهم أي قيم إنسانية.. وكان يعرف معنى الأمان عندهم وازداد خوف ابن الأشعث وهو يسمع هذه الأبيات التي استمات صاحبها وهو مصمم على القتال حتى آخر رمق ولكن لا أحد يستطيع الوقوف بوجهه فقال ابن الأشعث:
ـــ إنك لا تُكذب ولا تُخدع ولا تُغر، إن القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاريك
ولكن لم يكن مسلم لتنطلي عليه هذه الخديعة فقال له:
ـــ لا حاجة لي إلى أمان الغدرة
وبقي يقاتل بتلك البسالة رغم كثرة الجراح والحروق التي أصيب بها جسده وهال ابن الأشعث هذا البطل الذي لم ير مثله في حياته .. أنه لا يتأثر بالجراح التي تصيبه وكأنها تعطيه دافعاً وحافزاً لمواصلة القتال ورغم كل الجراح فهو يدمي وجه كل من يبارزه ويسقطه قتيلاً أو جريحاً !
وخاف أبن الأشعث أن يستنفد الرجال فدنا من مسلم قليلاً وجعل بينهما مسافة كافية للهرب إذا هجم عليه مسلم وقال:
ــ يا ابن عقيل لا تقتل نفسك، أنت آمن ودمك في عنقي !!
ما أقبح هؤلاء الذين يحاولون أن يصلوا إلى أهدافهم الدنيئة بالكذب والخداع، إن سياسة معاوية القذرة قد تفشّت في المجتمع والناس على دين ملوكهم.. أجابه مسلم وهو ينزف دماً وقد أعيته الجراح مؤثراً الموت على الركون إلى هؤلاء الغدرة:
ــ أتظن يا ابن الأشعث أني أعطي بيدي الأمان وأنا أقدر على القتال ؟ لا والله لا كان ذلك أبدا.. وهجم مسلم على ابن الأشعث لكن المسافة التي لم يجرؤ ابن الأشعث على أن يتجاوزها خوفاً قد مكنته من الهروب والنجاة فلم يجد مسلم من يواجهه وجهاً لوجه.. رجلاً لرجل خوفاً منه فقد صعد أغلبهم إلى السطوح وقاموا برمي الحجارة عليه وهو يزأر فيهم كالأسد:
ـــ ويلكم! ما لكم ترمونني بالحجارة كما تُرمى الكفار ؟! وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار ! ويلكم أما ترعون حق رسول الله صلى الله عليه وآله في ذريته ؟
وبقي يلاحق فلولهم في الأزقة فصاح ابن الأشعث فيهم وكأنه لم يلحقه عار الهزيمة:
ـــ ويلكم إن هذا هو العار والفشل أن تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع .. احملوا عليه حملة واحدة.. ولكن مسلم تصدى لهذه الحملة الواحدة وازدادت جراحه وكثر نزيفه وطعن من الخلف طعنة غادرة اخترقت ظهره وضرب على شفتيه بالسيف فضرب صاحبها فقتله واجتمعوا عليه يضربونه بالسيف حتى سقط من كثرة النزف وأخذوه أسيراً
ولا ينتهي الأمر بمسلم إلى قتله وقطع رأسه ورمي جثته من على سطح قصر الإمارة مع مناصره هانئ بن عروة, بل وتسحب جثتيهما بالحبال في شوارع الكوفة !
ويتحرّك الامام الحسين نحو العراق, وفي الطريق يصل إليه خبر مقتل مسلم لكنه لم يرجع, بل صمم على المضي وصمم معه سبعون رجلاً على ما صمم عليه ! ورغم اتضاح الموقف فقد أرسل قيس بن مسهر الصيداوي فلقي مصيراً مثل مصير مسلم, وأيضاً لم يرجع ! ثم أرسل عبد الله بن يقطر فلاقى نفس المصير, ولم يرجع ! لقد نذر نفسه للمواجهة مهما كلف الثمن, وأصر على المضي على نهج أبيه..



