اخر الأخبار

الإدارة والقيادة في المنظور الإسلامي

خهجحخجح

من أجل التعرّف على الإدارة والقيادة في الإسلام يجب التعرف على مفهومي هما: الاول الرشد، وهو اصطلاح تذكره الكتب الفقهية بالخصوص، وقد استُمِدَّ من القرآن الكريم, والثاني وهو الأهمّ مفهوم (الإمامة).
(الرشد) كلمة اقتُبِست من القرآن الكريم، واستعملها في الأطفال الذين يمتلكون ثروة، ولكن لا وليَّ لهم,فذكر بأنّه لابدّ من جعل القيّم عليهم إلى سنّ البلوغ، لإدارة شؤونهم وثروتهم، فلا تبقى هذه الثروة تحت تصرفهم، فالبلوغ شرط، ولكنه لا يكفي لوحده؛ بل لابدّ من الرشد أيضاً, ويقول القرآن الكريم:”حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم”; أي أنّ البلوغ الجنسي لا يكفي لوحده؛ بل لابدّ من الوصول لرشدهم، كشرط لإيداع الثروة في أيديهم, ومن المسلّمات الفقهية:أنه لا يكفي في الزواج البلوغ والعقل فحسب، بالنسبة للولد والبنت كليهما; بل لابد، بالإضافة إليهما، أن يتّصف الولد أو البنت بميزة (الرشد).
والعقل غير الرشد; فالإنسان إما أن يكون عاقلاً أو مجنوناً؛ والعاقل إمّا أن يكون رشيداً أو غير رشيد؛ فالعاقل البالغ قد يكون رشيداً وقد لا يكون رشيداً, والملاحظ أن الذي يُفهم اليوم من مفهوم الرشيد، في أذهان البعض، هو الرشاقة، فإذا كان الإنسان رشيقاً، حسن المظهر يقال له (رشيد)، وهذا المفهوم غريب عن المصطلح الإسلامي الأصيل، دخل في الأذهان نتيجة الفهم السيئ للمفاهيم الإسلامية.
القوى الإدراكية للإنسان
فإنّ الأفراد يختلفون فيما بينهم، من حيث الفهم والادراك، وقوة الحفظ والذاكرة،والإنسان الرشيد، هو الذي يمكنه الاستفادة الصحيحة من ذاكرته, فيصنع قائمة للأمور من حيث الاهمية لا بصورة حقيقية وإنما نتيجة شدة حرصه على دماغه يكون دماغه مرتباً على شكل قائمة؛ ثم بعد ذلك ينتخب ما هو أكثر فائدته، ويعدّها كالأمانة التي يلزمه المحافظة عليها، فيجب أنْ يتعرف ذهنه على المسائل العلميّة أوّلاً، وبصورة دقيقة وواضحة، ثم بعد ذلك ينقلها لذاكرته.
العبادة
لابد أن نعترف بأنّنا نحتاج الى من يرشدنا الى طريق العبادة الصحيح أي أنّنا لا نستطيع أن ندير أنفسنا عبادّياً بصورة صحيحة. إنّ العبادة الصحيحة هي التي يكون فيها قائد ومعلم بداية من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصولاً للإمام المهدي(عجل الله فرجه) فهي تجذب الروح، وتغذّيها التغذية الصحيحة، وليست الكثرة هي المقياس للعبادة؛كما هو الأمر في الطعام، حيث لا يكون الغذاء الأكثر هو الأفضل؛وكذلك العبادة فإنها لابدّ أن تتلاءم مع نشاط الروح وأشواقها. ولا نعني بذلك:أنْ يكون للإنسان شوق مسبق، حتى يقدم على العبادة، فإنّ الكثير من الأفراد، لا يمتلكون مسبقاً شوقاً للعبادة؛ولكن حين ممارسة العبادة،سوف ينبثق بالتدريج في أعماقهم الشوق والنشاط،والأنس بذكر الله،فكلما كان العبد أقرب إلى الله جل وعلا زهد بالدنيا فكان أهلا لأن يقود لا أن يقاد وخير الزاهدين والعابدين هو النبي(ص) والأئمة من بعده(ع) لأنهم بعيدون كل البعد عن مغريات الدنيا وحبائلها فهم أولى من غيرهم بالقيادة.
الإمامة والقيادة
قلنا إنّ الرشد يعني: القدرة على الإدارة والقيادة، وحين يريد الإنسان إدارة الآخرين وقيادتهم؛ أي حين يكون موضوع الرشد هو قيادة الآخرين؛ فيطلق على هذا النوع من الرشد:(الهداية)؛وبتعبير أوضح:(الإمامة),واللفظ الذي يعبر عن لفظة الإمامة بصورة دقيقة هو (القيادة); والفرق بين النبوة والإمامة أن النبوة تعني الدلالة وإراءة الطريق؛بينما الإمامة تعني القيادة؛ والنبوة إبلاغ وإخبار، وإتمام الحجة وإراءة الطريق وكشفه فحسب، ولا تتعدى مهمّة النبي ذلك، ولكن البشر يحتاجون إلى القيادة بالإضافة لكشف الطريق والدلالة عليه.
أي: أنّ البشرية تحتاج إلى بعض الأفراد، أو إلى فئة معيّنة، تقوم بمهمة تعبئة القوى الإنسانية ودفعها للعمل والحركة وتنظيمها؛ النبوة كشف الطريق وهو منصب خاص، بينما الإمامة منصب آخر، والأنبياء(عليهم السلام) الكبار أمثال إبراهيم وموسى وعيسى ونبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)،قد جمعوا كلتا الميزتين، وكانوا أنبياء وأئمة؛ وأما الأنبياء الباقون،فكانوا أنبياء فحسب، ولم يكونوا أئمة. والقرآن الكريم يؤكّد هذه الفكرة كثيراً وكذلك الأحاديث الشيعية.
ولابدّ أن نلاحظ أنّ القيادة التي يبحث عنها القرآن الكريم أسمى من القيادة والزعامة التي يفهمها البشر؛ إنّ القيادة يفهمها البشر لا تتجاوز الزعامة المادية،لكن القيادة الإلهية المتّجهة نحو الله بالإضافة إلى القيادة المادية تجمع القيادة المعنوية، وهذه أعمق بكثير من القيادات المادية كلها,وللقرآن الكريم حول إبراهيم كلمات تثير الدهشة، قال تعالى: “وإذ ابتلى إبراهيم ربُه بكلمات فأتمّهنّ قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذرّيتي قال لا ينال عهدي الظالمِين”، فإنّ الله امتحن إبراهيم(ع) بالكثير من التجارب والابتلاءات، ولكن إبراهيم خرج منها ظافراً,إن إبراهيم(ع) من الأنبياء الذين مرّوا بتجارب ومحن عديدة، وعاش حياة صعبة، ولكنه برغم كل هذه المشاقّ والمتاعب كان ناجحاً في رسالته.
لقد كان إبراهيم(ع) يعيش حياة قاسية، فهو من جانب في صراع حاد مع العقائد الخرافية المنحطة؛ ومن جانب آخر في صراع مرير مع نمرود، حيث وصل الأمر إلى القائد بإلقائه في النار, وبعد أن طوى إبراهيم هذه الابتلاءات، بظفر ونجاح، أخبره الله تعالى بأنّه قد استحق منصب الإمامة، فارتقى من النبوّة والرسالة إلى الإمامة.
إن الإمامة وقيادة البشرية وزعامتها، سواء في بعدها المعنوي الإلهي، أم في بعدها الاجتماعي; هي أرفع المناصب التي يمنحها الله للإنسان، وهكذا كان إبراهيم فكان نبياً وكان إماماً وزعيماً لقومه,وأما أئمتنا الأطهار، فكانوا يمتلكون منصب الإمامة، ولم يكونوا أنبياء إذ إن طريقهم نفس الطريق الذي رسمه النبي (ص) ؛إنهم يدعون إلى نفس الرسالة، ويعبئون القوى، ويأخذون بأيدي البشر في نفس الطريق، الذي دعا إليه(ص), وعالمنا اليوم ينظر لمسألة الإمامة، من خلال بعدها الاجتماعي فحسب، فلا يعرف إلاّ هذا الجانب منها، ولكنه يهتّم اهتماماً كبيراً بها، وله الحق في ذلك، فإنّ الإنسان يحتاج للقيادة بطبيعته؛ وإذا أردنا أن نتعرف على مدى علاقة الإسلام بالقيادة والإدارة، فإنّ ذلك يتمّ من خلال مصدرين:
1ـ القراءة العميقة لسير القادة المسلمين
يلزم علينا أن نقرأ سير أولياء الدين وقادته، قراءة عميقة، وبالخصوص سيرة النبي(ص)وأمير المؤمنين(ع)؛فإنّه لو تعرّف الإنسان على أساليبهم في هذا المجال، يدرك مدى تطابقها وتوافقها مع الأصول الدقيقة للقيادة والإدارة الحكيمة، والمنجزات العظيمة التي توصّلوا إليها من خلال هذه القيادة الحكيمة؛ تلك التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم كلّه، لقد حققوا هذا النجاح المدهش، لأنّهم كانوا يمتلكون مفتاح السرّ، إنّهم قد بعثوا من قبل الله، والله خالق الإنسان، وبيده مفتاح سرّه,إنّ السيرة العملية للنبي(ص) في الإدارة والقيادة، ترشدنا إلى الكثير من التعاليم الحيّة، في هذا المجال؛ إنّها بلغت القمة في دراسة النفس الإنسانية،وفي معرفة الطبيعة البشريّة.
وهناك وظائف خاصة للزعيم والقائد، فإنّ القائد له مركزه الاجتماعي الخطير، فعليه استمالة القلوب، وقيادتها وتعبئة قواها، فهناك بعض الوظائف والمهمّات الملقاة على عاتقه، والمختصة به لا يطالب بها غيره، ولا يطالب بها هو لو لم يشغل هذا المنصب, ومثال على ذلك زهد الإمام أمير المؤمنين(ع) وعن عباداته، التي ليس لها مثيل؛ ولكن، هذا الزاهد المتبتل، حين زار ـ في أيام خلافته ـ أحد أصحابه وهو علاء بن زيادة؛ شكا له أخاه عاصم بن زيادة، وأنّه قد أغرق نفسه بالعبادة والزهد، وهجر امرأته ولبس ثياباً خشنة؛ فأمر ـ عليه السلام ـ بإحضاره، وحين حضر، واجه ذلك الوجه الذي أرهقته العبادة، وأنهكه الزهد؛ خاطبه بحدة: “يا عدوّ نفسه…”.
ولما اعترض عاصم على الإمام(ع) بأنّه هو بنفسه يعيش مثل هذه الحياة الشاقة، ويضرب به المثل في الزهد؛ أجابه(ع):إنه خليفة وزعيم للأمة الإسلامية، ويلزم عليه أن يلاحظ أضعف أتباعه، وأشدّ المحرومين من شعبه، لأنه قائد امة.
فإنّ زعماء الأمم وقادتهم لهم تكاليف ووظائف مختصة بهم، وفي الحديث: “إن الله فرض على أئمة المسلمين أن يقّدروا أنفسهم بضعفة الناس، كي لا يتبيَّغ بالفقير فقره”.
2ـ التعاليم الإسلامية في القيادة
هذا هو المصدر الثاني، الذي يمكن التعرف من خلاله، على شروط القيادة وأصولها في الإسلام؛ وهو الرجوع للنصوص الرئيسة المتضمنة للتعاليم الإسلامية في هذا المجال.
أمثال ما ذكره القرآن الكريم، مخاطباً الأنبياء(ع) عموماً والنبي محمد(ص) بالخصوص، حول أساليب تعاملهم مع مجتمعاتهم؛ وكذلك التعاليم الصادرة، حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الجاهل، والوعظ والنصيحة؛ وكل ما ورد من النصوص حول شروط التبليغ، والمبلّغ؛ ونحن لو أردنا ذكرها بالتفصيل لطال الأمر ولاحتجنا الى كتب لا كتاب لذلك نكتفي بهذه الشواهد.
شواهد من تاريخ الإسلام
أود أن اذكر الإمام الحسين(ع) كنموذج حيّ على فن القيادة من المعصومين من ثم نذكر نموذجا آخر للأشخاص الربانيين من غير المعصومين الذين قادوا فأحسنوا القيادة وأدوا الأمانة، ولقد ظهرت في كربلاء أروع الدروس والعبر في قيادة الإمام الحسين (ع) الحكيمة،وفي تأثير شخصيته ونفوذها في القلوب،إنّ حكاية هذه القافلة الرائدة نموذج لا مثيل له في تأريخ العالم.
فبرغم أن القائد، قد أعلن منذ اليوم الأول، بأنّهم سيُقتلون في سبيل الهدف؛ ولكنهم صمدوا برغم كل التحدّيات؛ لقد تمكن هذا القائد المعصوم من أن يعدّ هذه النفوس للالتفاف حول الهدف،والتضحية والفداء في سبيله؛ لقد تمنّى كل واحد منهم أن تكون له أكثر من روح واحدة ليقدّمها في سبيل الله،وقد أثبتوا صدقهم بمواقفهم البطولية التي شهدتها تربة كربلاء الدامية،وما نريد قوله ختاماً هو أن الناس لا تستطيع بما أن أغلبها من العوام أن تحدد من يقودها ومن هو الأفضل للقيادة إذ إن كثيراً من صفات القادة قد لا تكون واضحة في القائد إلى أن يتولى القيادة لذلك أرسل الله الأنبياء(ع) وجعل لكل نبي وصي ووصي نبينا الإمام علي(ع) من بعده ولده الأحد عشر الذين آخرهم صاحب الأمر والزمان (ع) الذي سيملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلماً وجورا، وبما أنه غائب فنحن مضطرون للتعامل بنظام مقارب لنظام الإمامة وهو (ولاية الفقيه) بل هو النظام الأقرب إذ لابد من فقيه قائد جامع للشرائط يمنع المسلمين ودولتهم من الانحراف الى طريق الضلال وهذا هو مثالنا الثاني في القيادة والمتجسد بالإمام روح الله الموسوي الخميني (قدس سره) ومن بعده الإمام الخامنئي (دام ظله)، فالنظم الوضعية والتي يزعمون أن أفضلها الديمقراطية أدت الى ما نراه اليوم من اختلاف وتناحر بين شعوب العالم وحتى بين المسلمين أنفسهم فالناس لا تعرف من خلال صناديق الاقتراع من هو الأفضل وحتى إذا اختارت الأفضل نتيجة تثقيف المجتمع ثقافة دينية جيدة فهي بحاجة الى ضابط لاستمرار العمل وإدارة شؤون البلاد بنجاح وعدم استبداد الحكام أو الرؤساء بمناصبهم وهذا الضابط هو الولي الفقيه الجامع للشرائط، ولولا (ولاية الفقيه) المطبقة في الجمهورية الإسلامية لانتهى بنا الأمر كما انتهى بالسعودية وغيرها من الدول الدكتاتورية التي يحكم بها ملوك ليست لهم شرعية إلا بالقوة التي يفرضونها حتى على المؤسسات الدينية والتي هي في حقيقة الأمر طبول لهم، وعلى ذلك نعرف لو نظرنا بشيء من التمعن كيف أن هذه الدول بدأت سلب شعبها واستعباده واسترقاقه حتى يصبح خاضعاً خانعاً لها من ثم تحولت الى الخارج في محاولة لشمول وبائها كل دول المسلمين لذا لا غرابة الآن من أن هذه الأنظمة ترعى وتنمي وتدعم داعش وغيرها من قوى الإجرام علنا فهي أدوات بيد المستكبر الأكبر أمريكا ومن لف لفها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى