اخر الأخباراوراق المراقب

التعبير المجازي وخصوصية المفردة القرآنية وجماليتها

بقلم: د. رعد هادي جبارة..
لا شك بأن المفردات القرآنية تختلف من حيث المعاني والمباني، بين تعبير حقيقي وآخر مجازي. واستمراراً لما كتبناه في المقالات الاربع الماضية نقول إن الألفاظ الواردة في الآيات القرآنية لها معانٍ تتجاوز مجرد المعنى الظاهري اللغوي المتعارف ، وهذا شيء بَدَهِيّ، وهو ما نجده واضحاً بيناً في مئات الكلمات بل ربما آلاف المفردات والأسماء و الأفعال والصفات في شتى السور والآيات، ومن المستغرب حقاً أن نجد بعض الاشخاص يجادل في هذه الحقيقة الماثلة ليس في آية أو اثنتين أومئة أو مئتين ،بحيث لم يعد بالإمكان إنكارها مطلقاً .
ولا بد قبل كل شيء أن نتعرف أولاً على معنى (الحقيقة) و(المجاز) .
فالحقيقة : هي اللفظ المستعمل في المعنى الموضوع له، مثل قوله تعالى : (الحمد لله رب العالمين) و(و إلهكم إله واحد ) و(صوّركم فأحسن صوركم ) و(وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًاً) و(فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)…وغيرها.
و المجاز : هو اللفظ المستعمل في المعنى غير الموضوع له.
أنظر الآيات الكريمة: (“يَدُ” اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (وتَحْرِيرُ “رَقَبَةٍ” مُّؤْمِنَةٍۖ) ( إِنَّ الَّذِينَ “يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ” الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا “يَأْكُلُونَ” فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا )

(وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ “أَعْمَىٰ” فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ “أَعْمَىٰ” وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا “بِأَييْدٍ” وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ})
( فَمَن یَعۡمَلۡ “مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ” خَیۡرࣰا یَرَهُۥ ۝٧ وَمَن یَعۡمَلۡ “مِثۡقَالَ ذَرَّةࣲ” شَرࣰّا یَرَهُۥ)
(“وَقَطَّعْنَاهُمُ” اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا )…وغيرها كثيرة.
وهنا لابد من الاشارة الى أن كلام العرب ؛ شعراً كان أم نثراً ،قديماً وحالياً، مليءٌ بالمجاز والاستعارة، لكننا نعرض عن نشر آلاف الأبيات الشعرية للشعراء، لئلا يطول بنا المقام ويقع الملال من المقال.
ولا يمكن أن تكون كل الكلمات الواردة في القرآن حقيقية ، فالمجاز واقع في كل سورة من السور ال114 في القرآن، فيما عدا آيات الصفات.
فهل تجد تعابير حقيقية في الآيات التالية أم انها مجازية ؟! :
(هنّ “لباسٌ” لكم وأنتم “لباسٌ” لهنّ ) ( فَلَا تَقُل لَّهُمَا “أُفٍّ” وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ☆ وَاخْفِضْ لَهُمَا “جَنَاحَ” الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ )
(وَاسْأَلِ “الْقَرْيَةَ” الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَ”الْعِيرَ” الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)
(إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ “سَبْعِينَ مَرَّةً” فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَٰلِكَ) (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (فَلْيَدْعُ “نَادِيَهُ”)(فَوَجَدَا فِیهَا جِدَارࣰا یُرِیدُ أَن یَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ )…وغيرها
ومن طريف ما قيل إن الشيخ الفقيد الدكتورأحمد الوائلي عميد المنبر الحسيني عندما شارك في مؤتمر القاهرة للمذاهب الاسلامية عام 1978 سمع من يقول بأن القرآن نزل على النبي محمد (ص) بأسلوب سهل وبسيط، و بلغة عربية، وكل شخص يستطيع فهمه وتفسيره و لا يحتاج إلى تفسير باطني و تفسير ظاهري كما يفعل الشيعة،و نظر الشيخ الوائلي إلى شيخ يجلس قربه في المؤتمر فقال للمؤتمرين: طيب، كما تشاؤون ، من اليوم لن نفسر القرآن تفسيرين: باطني وظاهري ، بل نأخذ الآية كما هو منطوقها و ظاهرها، وعلى هذا الاساس كيف سمحتم لهذا الأعمى أن يكون معنا في مؤتمر (اسلامي)؟!
فقالوا له: ان هذا الرجل الاعمى هو رئيس وفد الدولة الفلانية وهو عالم و مفتي اسلامي .
فقال الوائلي: ولكن الله قال لنا في كتابه العزيز: (وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ). وبناء على ظاهر الآية فان هذا الأعمى من أهل النار!! فقالوا : لا ، ان هذا تعبير مجازي، والمقصود به أعمى القلب الذي لم يدخل الايمان الى قلبه .
فقال (ره): نعم، وهذا هو التفسير الباطني والتعبير المجازي الذي تستنكرونه منا وتسمونه (التفسير الباطني).
ثم إنه (ره)أورد بالقول المشهور: إن الكعبة بيت الله ، وقال : أو ليس الله موجوداً في كل مكان (نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) فلماذا تصفون مكاناً خاصاً مكعب الشكل محدود المساحة بأنه بيت الله ؟؟!! وهل يمكن أن يستوعبه بيت ؟!!.
ورغم أنني لم أعثر على مصدر او كتاب موثق لهذه القصة بَيد أنني أوردتها من باب الشيء بالشيء يذكر، ودليلاً آخر على وجود التعبير المجازي في القرآن.
وبعضهم يزعم أن القصة وقعت بين السيد محسن الحكيم والشيخ الضرير عبد العزيز بن باز في بلاط الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود عام 1968.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى