غزوة تبوك وتخلّف المنافقين

كانت غزوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى تبوك في رجب سنة تسع من مُهاجره (صلى الله عليه وآله).
لمَّا بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّ الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام لغزو المسلمين في ديارهم، لم يتردَّد في مواجهة تلك الجيوش، فأمر الناس بالتجهُّز لغزو الروم، وأعلم الناس مقصدهم، لبعد الطريق وشدَّة الحر وقوَّة العدو.. لذلك يسمّى بجيش العسرة، وهي آخر غزوات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسير في أصحابه، حتى قدم تبوك في ثلاثين ألفاً من الناس، والخيل عشرة آلاف. واستعمل على المدينة علياً (عليه السلام) وقال له: (تقيم أو أقيم)، (إنَّه لابدَّ للمدينة منِّي أو منّك)، “إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك”.
وهذه هي الغزوة الوحيدة من الغزوات التي لم يشترك فيها عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وكان بقاؤه (عليه السلام) في المدينة أمراً تفرضه مصلحة الإسلام، بعدما ظهر للنبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من أمر المنافقين، فإنَّ بقاءهم بالمدينة يشكِّل خطراً على الدعوة.
فأُرجِفَ المنافقون بعلي (عليه السلام)، وقالوا: “ما خلَّفه إلّا استثقالاً له، فلمَّا سمع عليٌّ (عليه السلام) ذلك أخذ سلاحه ولحق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأخبره ما قال المنافقون، فقال: “كذبوا، وإنَّما خلفتك لما ورائي، أما ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى؟ إلّا أنَّه لا نبيَّ بعدي”، فقال: “قد رضيت، قد رضيت”، ثُمَّ رجع إلى المدينة وسار رسول الله بجيشه.
وفي رواية الشيخ المفيد، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: “ارجع يا أخي إلى مكانك، فإن المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك، فأنت خليفتي في أهلي ودار هجرتي وقومي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي”.
ولهذه الغزوة خصائص تميزها عن سائر الغزوات، منها أو أهمها ان جيشها كان في جهد من الحر والجوع والعطش والعري والركب، ومن أجل هذا سمي جيش العسرة، وقد تخلف عن هذه الغزوة المنافقون، وتقدم الحديث عنهم، أما المؤمنون الذين اتبعوا النبي (صلى الله عليه واله) في غزوة تبوك فأشار سبحانه إليهم بقوله: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ}.
إذا قيل: تاب فلان، فهم الناس من هذا القول، ان المذكور كان قد ارتكب ذنبا ثم ندم وعزم جادا على تركه وعدم العودة إليه، وإذا قيل: تاب اللَّه عليه فهموا ان اللَّه قبل توبته، وقد يراد من توبة اللَّه على الإنسان رحمته تعالى ورضوانه مع القرينة الدالة على ذلك، والمعنى الأول أي قبول اللَّه سبحانه التوبة هو المراد بتوبته على الثلاثة الذين خلفوا، والمعنى الثاني أي الرحمة والرضوان هو المراد بتوبته تعالى على النبي والصحابة الذين اتبعوه وائتمروا بأمره حتى في ساعة العسرة، أما القرينة على إرادة الرضوان من توبته تعالى على النبي وصحابته فهي طبيعة الحال، ونعني بها عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) عن الذنوب، وطاعة من تابعه في ساعة العسرة .
(مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) تخلَّف عن النبي من تخلف، وتبعه المؤمنون من المهاجرين والأنصار، ولكن جماعة من هؤلاء عند ما قاسوا الشدة والقسوة في سفرهم انهارت أعصابهم، وهمّوا أن يفارقوا الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولكن اللَّه سبحانه ثبتهم وعصمهم، فصبروا واحتسبوا (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) مما كانوا قد همّوا به من مفارقة النبي (صلى الله عليه وآله) والمراد بالتوبة هنا ان اللَّه سبحانه يعاملهم معاملة من لم يهم بالذنب، لأن من همّ بالسيئة ولم يفعلها فلا تكتب عليه (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) لأنه علم منهم الصدق في ايمانهم، والإخلاص في نياتهم، وان ما همّوا به كان مجرد عارض لم يترك أي أثر.



