الجنوب يزحف نحو سجين بغداد لـ”حضور دروس الحرية”

مشهد العشق
المراقب العراقي/خاص..
على خطى آلاف الزائرين الذين يسلكون طريق العشق نحو مدينة الكاظمية المقدسة، يغلق ابو محمد ابواب بيته ويترك مزرعته في ميسان ويتوجه برفقة عائلته سيرا على الاقدام، ففي هذا الدرب الذي يستمر فيه نحو سبعة ايام يجد الرجل فسحة من الجمال الإلهي الذي يغذيه بالرحمة والمحبة والسلام.
ويقول ابو محمد ابن الـ”60 عاما”، انه “اعتاد سنويا على أداء هذه الشعيرة المباركة برفقة اولاده الاثنين وبنتيه وزوجته، تاركا خلفه ارضه وقطيع ما يملك من ثروته الحيوانية مع اخوته، في سبيل الوصول الى القباب الذهبية بمدينة الكاظمية للتروي من مشهد سجين بغداد بذكرى الاستشهاد السنوية”.
ويشير ابو محمد الى انه “يقوم سنويا بجمع المال في قاصة خاصة يوزعها بين زيارة الاربعين وذكرى استشهاد الامام الكاظم عليه السلام، وقبل الانطلاق برحلة السير على الاقدام يذهب باتجاه عائلة فقيرة ويهدي لها المال بعد ان يضعه بظرف يكتب عليه “هدية الامام”، وهو تقليد اعتاد عليه كجزء بسيط من التكافل ورعاية الفقراء التي اوصى بها اهل بيت النبوة عليهم افضل الصلاة والسلام”.
وقريبا من تلك الاجواء المليئة بالرحمة، يسمع المارة بقرب ام محمد تمتمة للتسبيح المتواصل، اذ تستغل المرأة التي كانت ترتدي ثياب الزينبيات المسير بقراءة الادعية، ليكون طريقها الذي تقطعه بقدمين متعبتين من طول الرحلة صورة للمرأة الصالحة التي تنقل اطلالة مشرقة عن ابهى تجسيد رسمه اهل البيت عليهم السلام.
وعلى مقربة من العاصمة بغداد التي تحدد قرب المسار نحو الضريحين الشريفين، يقوم الاب بشراء خروف والذهاب به لاقرب موكب ونحره ليتولى الخدام تقديمه بعد الطبخ للزائرين، فيما تواصل العائلة الميسانية رحلتها مع سيل مليوني بهدف الوصول الى ضريح العشق الذي تجتمع فيه ملائكة الله والتروي من فيض الرحمة الالهية”.
ويذكر محمد الابن الكبير الذي لم يتجاوز عمره العشرين ربيعا، ان والدته وحين اداء الزيارة تقوم بجمع التراب من تحت اقدام الزائرين وتضعه في كيس صغير لتقوم بعد العودة بنثر هذا التراب في البيت والمزرعة وهو نفس التوجه عندما تذهب الى كربلاء التي تبقى فيها اياما بجوار ابي الاحرار” الامام الحسين واخيه ابي الفضل العباس عليهما السلام”.
تلك الرحلة التي أوجزناها بمعية عائلة مؤمنة تتكرر على طول الطريق المؤدي الى سجين بغداد عليه السلام، ورغم اختلاف القصص التي تبعثها هذه الرحلة النورانية السنوية، لكن الهدف منها اكبر من مجرد السير، فهي تجديد للبيعة ورفض للظلم والطغيان وإرسال صورة بليغة الى العالم باستمرار السير على نهج رصين رسمه الاسلام قبل اكثر من اربعة عشر قرنا، ولا يزال يتدفق من خلال سيل مليوني مؤمن باهمية الحفاظ على الرسالة المحمدية الحقة.
كما ترافق تلك الرحلة آلاف المواكب الحسينية التي تنصب السرادق على طول الطريق لتقديم الخدمة، تيمنا بمحبة اهل بيت النبوة ولاحياء الذكرى التي يعتبرها العراقيون محطة لتجديد الحياة وتقويمها من الاعوجاج الذي يحاول الاشرار بثه في جسد المجتمعات



