صناديق البريد في مهب الريح

عبد الجبار العتابي..
حين مررتُ بالقرب من مكتب بريد الكرخ المركزي، مقابل المتحف العراقي، استوقفني هذا الأصفر، كان وحيداً، واقفاً على رجل واحدة، كأنه لقلق محنط، أو طفل يلعب الاستغماية مع العابرين منه، لأنه يختبئ وراء سياج متقدم عليه، فيما كان هناك غبار على منكبيه.
وقفت قبالته، تلمست جسده برفق، نظرت الى الفتحة التي في وجهه، كان خاليا، لم اسمع شيئا يمور في دواخله، سكون مثل سكون حياة جامدة، أحسست ان القفل صدئ وفارق المفتاح منذ سنوات..
هذا هو (صندوق بريد).. اعتزل الحياة بعد ان فقد عشيرته وأصحابه وجففت انهاره التكنولوجيا ولم يعد يتدفأ بالرسائل التي تملأ بطنه وبحرارة ما فيها من مشاعر وكلمات وصور وطوابع وعناوين.
قلت له: يا صاح.. هل تتذكر أيام كنا نتدافع أمامك لنضع في جوفك محبتنا، كنا نضع رسائلنا ومن ثم ننظرها من الفتحة للتأكد من نزولها، ها.. أنت تشعر بالجوع الى رسائلنا وهذا بطنك الخاوي يصدر قرقعة ان طبطبت عليه بكفي.. قال لي بحزن انه نسي شكل الرسائل وما عاد يتذكر ألوان الطوابع.. وشعرت به يبكي.. غابت الرسائل عنه، ما عاد يمر منه العشاق ولا الأحباء، وما يتوقف ازاءه العابرون الذين ان نظروا اليه، فاحت من أفواههم رائحة (Email).. هو الآن يقف أمام هذا المبنى مثل دلالة غير مهمة، بهتت ألوانه وتحجرت نواظره ولا عزاء له ولا رثاء.



