اخر الأخباراوراق المراقب

الفكر الإسلامي والنزعة الإنسانية

يذكر مالك بن نبي في مدخل كتابه (وجهة العالم الإسلامي) الصادر في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، كيف انه بعد أن وضع خطة البحث لهذا الكتاب، عرفه أحد أصدقائه على كتاب صدر في ذلك الوقت وكان يتشابه في أطروحته مع أطروحة كتابه من جهة موضوع البحث، كما يتشابه في الموقف الذي حاول مالك بن نبي بلورته والوصول إليه. وهذا الكتاب هو “الاتجاهات الحديثة في الإسلام” للمستشرق البريطاني والباحث المعروف في حقل الإسلاميات هاملتون جيب. وهو الذي لقيت دراساته وأبحاثه في هذا الحقل اهتماماً موثوقاً عند الغربيين بما في ذلك المؤسسات الأكاديمية والنخب الأكاديمية هناك، وتأثر منه أيضاً بعض الباحثين والأكاديميين العرب والمسلمين. لكن هذا الاهتمام تراجع في الدراسات الغربية المعاصرة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مع ما شهده هذا الحقل وما يتصل به من تغيرات وتطورات واسعة وشاملة، جعلت من دراسات هاملتون غير مواكبة لها، مع الاحتفاظ بقيمة تلك الدراسات واحترام خبرتها المنهجية والمعرفية.

هذه الإشارة من مالك بن نبي لعلها كانت بقصد أن لا يفهم عنه أنه كان متأثراً في أطروحة ومنهجية كتابه بكتاب هاملتون جيب. لذلك وجد من الضروري كما يقول أن يتحدث عن رأيه وملاحظاته التي يختلف فيه مع ذلك الكتاب، ومن هذه الملاحظات ما ذهب إليه هاملتون حين تحدث عن الاتجاه الإنساني في الحركة الإسلامية الحديثة وعزاه إلى تأثير الثقافة الأوروبية. وهذا ما اعترض عليه بن نبي حيث دعا إلى تناول النزعة الإنسانية في معادنها الأصيلة من التسامح والإيثار واحترام شخص الإنسان. مع ذلك أن ملاحظة هاملتون تدعونا لأن نتساءل ونتأمل عن وجود هذه النزعة الإنسانية في الثقافة الإسلامية و الفكر الإسلامي.

ولعل الذي كان يريد أن يقوله هاملتون هو أن الثقافة الأوروبية ابتكرت لنفسها ومن داخلها نزعة إنسانية، هذه النزعة لم تظهر في الثقافة الإسلامية ولم تتعرف عليها من داخلها وبالطريقة التي ظهرت وتشكلت في الثقافة الأوروبية. لقد كان لهذه النزعة الإنسانية أثر فاعل في حركة الأفكار والفلسفات والآداب و الفنون في أوروبا، وفي تغيير وتجديد التاريخ الأوروبي الحديث، كما يؤكد ذلك المؤرخون والباحثون الأوروبيون أنفسهم حتى تحولت هذه النزعة إلى مذهب فكري وفلسفي وأدبي، تدرس وتعرف في الموسوعات والمعاجم المعرفية واللغوية والاصطلاحية، ولا تقرن إلا بالثقافة الأوروبية والتاريخ الأوروبي. وهي تعرف بأنها طريقة للنظر إلى العالم بالتركيز على أهمية الإنسان أي طبيعته ومكانه في الكون، كما تعلم أن لكل شخص كرامته وقيمته، ومن ثم يستحق احترام الآخرين.

يضاف إلى ذلك أن لأوروبا تاريخا طويلا ومؤلما في الانقلاب والارتداد على هذه النزعة وبصورة خطيرة وذلك في الطريقة التي تعاملت بها مع بقية العالم بذهنية الاستعمار و السيطرة، وبمنطق الاستعلاء والتفوق العرقي والقومي والفكري والحضاري. ومازالت أوروبا إلى اليوم لاتحكم هذه النزعة الإنسانية بأخلاقية تامة في علاقاتها بالعالم، وبالذات العالم الإسلامي. فهناك ازدواجية في المعايير ففي الوقت الذي يحكم فيه الغرب النزعة الإنسانية في علاقاته مع ذاته، فانه يتعامل بما هو ضد هذه النزعة مع الآخر المختلف معه في الثقافة والتراث والتاريخ. وهذا ما ينبغي أن يراجع ويعاد النظر فيه داخل الثقافة الأوروبية! وكيف يمكن تجزئة وتفكيك هذه النزعة، أليس من المفترض أن تكون متعاقبة، وغير قابلة للانقسام؟ ولماذا لم تولد هذه النزعة من الرفض والاعتراض تجاه مايضادها وما يتناقض معها؟ والغرب الذي بلور هذه النزعة وظل يطورها وينضجها خلال قرون متعاقبة، وفي حقول ومجالات متعددة، لماذا لم يمارسها في علاقاته مع بقية العالم؟ والإشكالية الحرجة والحائرة في هذا الشأن هي كيف تتغلب المصلحة على النزعة الإنسانية وتقوضها؟ وكيف قبل الغرب بثقافته وعلومه ومدنيته أن يضع المصلحة مقابل النزعة الإنسانية؟

وحين يصف مالك بن نبي هذه النزعة في سياق اختلافه مع هاملتون يقول “إن حديثنا عن إنسانية أوروبا لا يكون إلا حديثاً عن نزعة إنسانية جذبية دون إشعاع، وفي هذه الحالة نراها تعني إنسانية أوروبية في الداخل، وإنسانية استعمارية في الخارج” لذلك فان الغرب لم يقنع العالم بصدقية نزعته الإنسانية، ولم يساهم في تعميم هذه النزعة خارج محيطه الجغرافي والثقافي والبشري.

من جهة أخرى إن هذه النزعة لم تتبلور وتتحدد بوصفها نسقاً فلسفياً وأخلاقيا في الثقافة الإسلامية مع ما تحتفظ به هذه الثقافة من ثراء لا يوصف في هذا الشأن، وما يمكن أن تساهم به في الهام وارتقاء هذه النزعة الإنسانية وهذا ما ينبغي استكشافه والتعرف عليه واستظهاره بالشكل الذي يكرس ويرسخ ويعمم هذه النزعة التي أصبحت الحاجة إليها ملحة مع ما يحصل في العالم من تنام لنزعات الكراهية والتطرف والعنصرية والإرهاب ومن السهولة التعرف على مكونات نزعة إنسانية في الثقافة الإسلامية إذا ما حاولنا استكشاف الرؤية التي جاء بها القرآن الكريم حول الإنسان وهي الرؤية التي أعلت من قيمة الإنسان و رفعت منزلته ومكانته وجعلته خليفة في الأرض مصداق قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً).

والحاجة إلى هذه النزعة الإنسانية ليس بقصد التعبير عنها بطريقة دفاعية أو تبريرية، وإنما بحاجة إلى أن تتحول إلى نسق أخلاقي وقيمي يشيع قيم التسامح والكرامة والاعتدال واحترام الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن لونه ولسانه ودينه ومذهبه. وهذا ما يفترض أن تنهض به ثقافات العالم اليوم لكي تعيد الاعتبار لقيمة الإنسان بما هو إنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى