اخر الأخباراوراق المراقب

سفانة الطائي وموقفها مع الرسول (ص)

أوجزت الصحابية الجليلة السيدة سفانة بنت حاتم الطائي قصتها مع النبي “ص” ورأيها الذي تمخّض عن اللقاء به بهذه الكلمات التي أجابت بها أخاها عدي بن حاتم الطائي عندما سألها عنه.

فكانت على يقين من نفسها وهي تجيبه بعد أن رأت دلائل النبوة وسيماء الوحي ونور الجلالة يشعّ من جبينه، وتمنّت لو أن أباها أو أخاها كانا حاضرَين ليرَوا هذه الخصال الكريمة والصفات العظيمة التي وجدتها عند رسول الله.

كان أبوها مضرب الأمثال في الكرم وقد غطت شهرته جميع قبائل العرب، وتناقلت الأفواه قصص كرمه وجوده فكان مقصداً لكل محتاج، وغوثاً لكل فقير ومسكين، ولا يزال تراثنا العربي يحتفظ بكثير من هذه القصص التي دلت على مكارم الأخلاق التي جسدها، وكان كل من يقصده لا يخرج من عنده إلا وقد أغناه وقضى حاجته حتى يقول السائل له:

كان حاتم يُكنّى بابنته سفانة، برغم أن له ولداً أكبر منها، فما السر في ذلك ولم تعرف العرب الكنية بالبنت سوى لمن لا ولد له؟، وكان هناك عامل مهم ومشترك بين الأب حاتم وابنته سفانة ميّزها عن بقية أبنائه، وهو ما اشتهر به حاتم من الكرم والجود، فقد رُوي أن أباها كان يهبها كثيراً من الإبل، فتهبها لكل من يسألها، فقال لها: يا ابنتي لا يجدر بنا أن نجتمع على مال واحد فينفد، فإما أن تمسكي وأبقى أنا على حالي، أو أن أمسك، وتبقين على حالك. فقالت: والله لا أمسك أبداً، فقال لها: وأنا والله لا أمسك أبداً، فما الحل؟ قالت: فلا نتجاور ثم قاسمها ماله، وتباينا وافترقا.

مات حاتم قبل أن يبعث النبي بست سنوات وقد ورثت ابنته سفانة كرمه وجوده وسارت على خطاه، فلما أشرقت الدعوة الإسلامية وانتشرت الفتوحات التي حطمت أصنام الجاهلية كان من ضمنها فتح قبيلة طيء، وجاءت خيول المسلمين بقيادة علي بن أبي طالب في سرية مكوّنة من مائة وخمسين فارساً فحطموا صنمهم (الفلس) ودعوهم إلى نور الإسلام وكان عدي بن حاتم ــ زعيم طيء بعد أبيه ــ مسافراً إلى الشام أثناء مجيء جيش المسلمين.

وفتح الله على يد علي وجاء بلواء النصر مرفرفاً إلى رسول الله ومعه سبايا طيء ومن ضمنها سفانة بنت حاتم الطائي وهي أسيرة، لقد أرادت أن تعرف ما يفعل رسول الله بها لتعرف هل هو نبي حقاً أم لا؟ فعندما يختار الله نبياً فإنه بالتأكيد يكون أفضل خلقه في حينه لأنه اصطفاه عليهم وحمّله رسالته فكيف رأت سفانة رسول الله.

وقفت سفانة أمام رسول الله وقالت: “أمنن عليَّ منَّ الله عليك، فقد هلك الوالد، وغاب الوافد، ولا تشمت بي أحياء العرب، فإني بنت سيد قومي، كان أبي يفُكُّ الأسير، ويحمي الضعيف، ويُقري الضيف، ويُشبع الجائع، ويُفرِّج عن المكروب، ويُطعم الطعام، ويُفشي السلام، ولم يرُدَ طالب حاجةٍ قط، أنا بنت حاتم الطائي”.

لقد أوضحت عن نسبها وحسبها كما بيّنت موقفها والحال الذي آلت إليه بعد أن مات أبوها ويستطيع القارئ أن يستشفّ إن سفانة لم تقل كلماتها هذه إلا بعد أن رأت سيماء النبل والشهامة والنجدة في وجه رسول الله، وإلا فإن الموت أشد عليها وهي بمكانتها من استعطاف رجل ليس بأهل للمروءة والنخوة والسماحة وقد كان ظنها في موضعه.

ما إن أتمت سفانة حديثها حتى قال لها رسول الله: يا جارية، هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك مسلماً لترحَّمنا عليه، ثم قال (ص) لأصحابـه: خلُّوا عنها، فإنَّ أباها كان يحب مكارم الأخلاق، ثم قال لها: لا تعجلي، حتى تجدي ثقة يبلغك بلادك، ثم آذنيني، لقد خاف رسول الله عليها أن تسافر وحدها إلى قومها دون أن تجد من يوصلها من الثقاة إكراماً لها.

فأذن لها النبي بالرجوع إلى قومها وهنا تواصل سفانة قصتها مع رسول الله فتقول: وكساني رسول الله، وحملني، وأعطاني نفقة، ثم أسلمت سفانة واستأذنت رسول الله بالدعاء له فأذن لها فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها.

وروي أن أمير المؤمنين (ع) أشار عليها بأن تتكلم مع النبي، وفي هذه الرواية ما يدل على شرفها وعفتها، فقد روي أنه قال لها: قومي فكلميه فلما كلمته، سألت عن الرجل الذي أشار إليها، فقيل لها: هو علي، وهو الذي أسركم، أما تعرفينه ؟! فقالت: لا والله، مازلت مُدنيةً طرف ثوبي على وجهي، وطرف ردائي على بُرقعي من يوم أُسرت حتى دخلتُ هذه الدار، ولا رأيت وجهه ولا وجه أحد من أصحابه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى