“قلق عتيق ” رواية ترصد التغيرات الاجتماعية بعد تحول العراق من الملكية إلى الجمهورية

المراقب العراقي/المحرر الثقافي…
يرى الناقد طارق الكناني أن رواية (قلق عتيق) لعلي لفتة سعيد ترصد التغيرات الإجتماعية بعد تحول العراق من الملكية إلى الجمهورية .
وقال الكناني في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي “: تتشظى حالة الانتماء الزمكاني عندما تكون المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية دافعا لتغيير المكان والرحيل عنه.. ففي هذه التغييرات تنشأ علاقات اجتماعية جديدة وتبرز قواعد مختلفة وتتنامى لدى الافراد قيم تتلاءم مع المتغيّرات الجديدة، وغالبا ما تنطوي هذه التبدلات على أضرار اقتصادية وجسدية تقع على مجموعة ما وتخدش الحالة النفسية لهذه الفئة أو تلك، مما تؤجج حالة الصراع الذاتي وبالتالي تنسحب على الصراع المجتمعي.
واضاف : نلمس هذا الانتماء وبشكل واضح للروائي علي لفتة سعيد في كتاباته، لربما ذكرت في وقت سابق في مقارنة عقدتها لروايتين كتبها نفس الكاتب، ولكنه عبّر في إحداهما عن سحر المكان الذي كان ينتمي إليه، وعاش فترة النشوء الاولى فيه وتجذرت لديه تلك الاصالة المكانية. ففي روايته السقشخي كان المكان عاملا كبيرا في تلوين المساحة السردية للرواية بأحداث لا يمكن لغير المنتمين لهذا المكان ان يشعر بها ويتلمسها في وجدانه الادبي، فهو قد أرخ لمدينته دون ان يقصد ذلك فكان وصفه دقيقا مصحوبا بصور اجتماعية تتحدّر من صميم المجتمع الجنوبي الذي دارت فيه احداث الرواية .
واوضح: أن واحدة من تلك التحولات هي التوظيفات الأسلوبية باستعمال تكنيكات تيار الوعي، التي جعلت لرواياته غوراً نفسياً وعمقاً فكرياً، متجاوزا كلاسيكية النسج المتوالي للأحداث، استرجاعاً واستباقاً، باتجاه صناعة نسيج لفظي، به تصبح للشخصية الروائية أبعادها النفسية الخاصة بها. وهذا (ما يعمّق التأزم ويجعله متصاعداً على وفق دراماتيكية سردية تُعقِّد الحبك وتخلخل توازنه لتنتهي به متوازناً وقد غدا أكثر متانة وقوة.).
وواصل :ولعل من نتائج النسج اللفظي الماهر والمتقن هو التعدد اللساني الذي يتحاور فيه الفصيح مع العامي والعامي مع العامي والفصيح مع الفصيح في دوامة أسلوبية شعرية داخل اللغة الواحدة كأسلوب سردي يولده التداعي الحر بالمونولوجات والديالوجات وهكذا يغدو الحوار المتسم بالتعدد اللساني متعدياً للأسلوب التقليدي، إلى الأسلوب غير التقليدي، بمعنى أن الحوار لا يعود اشتغالاً لسانياً وأسلوبياً فقط وإنما هو فعل حواري يمسرح الشخصية مشركا إياها في عمل السارد.
لقد تناول في روايته (قلق عتيق) مرحلة مفصلية في تاريخ العراق الحديث وهي فترة تحول العراق من الملكية الى الجمهورية وما صاحبها من ارهاصات وتداعيات كبيرة سواء كانت سياسية واجتماعية واقتصادية و (سوق الشيوخ) بلدة تغفو على الفرات في الجزء الجنوبي من العراق وتعتبر المركز الثقافي والثقل الاجتماعي لمحافظة ذي قار التي مركزها الناصرية، فقد اصابها من هذا التغيير الكثير، الامر الذي غيّر في النسيج الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي.
وأكمل: حيث تناول الكاتب هذه المتغيرات من خلال شخصيات عديدة منها حميد التاجر والمرتبط بالعائلة المالكة كونهم من مكون اجتماعي واحد ،ومنطقة واحدة، فهو يسكن في منطقة (النجادة ) نسبة الى سكانها القادمين من نجد والحجاز والاخيرة هي البلدة التي جاء منها الملك والوصي، فهؤلاء وكما يبيّن الكاتب يتمتّعون برؤيا بعيدة المدى وما سيقع من أحداث، بحكم قربهم من مصدر القرار وطريقة عيشهم، فهم في ترحال دائم ويطلعون على التجارب التي عاشتها الشعوب، فهم يستقرئون ما سيحدث.. وحميد احد هؤلاء التجار الذين عركتهم الحياة، فهو قد اشتد به القلق حين سمع بهذا التغيير، وسرعان ما انتقل هذا القلق الى وحيد (الحلاق والمطهرجي ) الذي يقوم بختان الاطفال في المدينة .
ولفت الى أن قلق حميد كان يتعلّق بوجوده في هذا البلد اصلا، فهو يحمل قلقا مركبا، فتجارته ستتأثر ووجوده سيتأثر بهذا التغيير، أما وحيد فهو يمتلك فلسفة خاصة بتلك المنطقة و أراد الكاتب القول، ان ما يحدث من تغييرات سياسية لا يهم الكثير من العراقيين فهم يصفقون لمن بيده مقاليد السلطة وجاء ذلك على لسان وحيد وهو يحاور التاجر النجدي حميد ( يا محفوظ .. أنا رجّال حلاق وأطهّر أطفال.. ما عندي علاقة بالسياسة يا هو يصير رئيس نهتف له ونفديه بكل شي ).فهو لم يقلق حتى اعلن التاجر بأنه سيغادر العراق لأن لا بقاء لهم في هذه البلاد بعد هذا التغيير وهذا الامر الذي دفعه للقلق حيث سيفقد اكبر أجرة للحلاقة في هذه المنطقة وهو الذي جاء متوسما ان يطلب زيادة في اجرة الحلاقة من هذا التاجر واذا به يفاجأ بأنه سيفقدها نهائيا وهذا ما اثار قلقه .
وختم : إن التدرج في اظهار المتغيرات التي طرأت بعد التحول من الملكية الى الجمهورية، كان من اهم ميزات الرواية حيث يتماشى القارئ معها بهدوء، دون أن يشعر بفجوةٍ بين الأمس واليوم.



