أسئلة أكثر من مشروعة
عباس عبد الرزاق الصباغ
تساءل البعض بتهكم وسخرية مريرة كرد فعل على القرار الاممي (2249) الذي أصدره مجلس الأمن الدولي في خطوة تعد الاولى من نوعها بمسودة مشروع فرنسي وبالإجماع وطبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجعل من هذه القرارات ملزمة لجميع الدول بمحاربة داعش دوليا وعالميا، داعيا الى تفعيل الجهود لوقف تدفق المقاتلين الأجانب على سوريا والعراق وتجفيف منابع تمويل الإرهابيين، وتكثيف الجهود لمنع مواطني جميع الدول من الالتحاق بصفوف داعش، واجاز لجميع الدول اتخاذ كل ما يلزم ضد الإرهاب وداعش لتكون الحرب ضد داعش حربا عالمية ولا تقتصر على مجموعة التحالف الدولي بزعامة أميركا أو على مجموعة التحالف الرباعي بزعامة روسيا.
جاء هذا القرار على خلفية الأحداث الإرهابية التي طالت باريس وكانت مضمون التساؤل المرير: هل كان الأمر يستدعي سقوط هذا العدد من الضحايا الذين اصطبغت بدمائهم شوارع باريس لكي تتحرك فرنسا الدولة العظمى والعضو الدائم في مجلس الامن أو ينتبه العالم الى خطورة ما يجري؟. وثمة تساؤل آخر مفاده: ألم تكن الدماء التي اصطبغت بها الشوارع والساحات العراقية لأكثر من عقد ونيف فضلا على السورية لما يقرب من خمس سنين كافية ليصوغ مجلس الامن قرارا ملزما يحفظ فيه حياة وأرواح مواطني دولتين مازالتا تتعرضان للإبادة الشاملة من قبل مجاميع إرهابية معروفة التوجه والتمويل ؟ فهل كان العالم بحاجة الى صدمة مرعبة كصدمة 11 سبتمبر لكي يفيق من سكرته وغفلته عن الرؤية العراقية التي كانت ولا تزال هي الرؤية الاكثر واقعية وعملية في مواجهة الإرهاب وهي رؤية تبنّى مجلس الامن بعض مضامينها اخيرا وهي ان القضاء على داعش ليس فقط بالإجراءات الأمنية والعسكرية والاستخبارية وإنما بكل ما يتاح من وسائل لتجفيف منابع تمويله وما كنته الفتوائية والاعلامية ودون القضاء على تلك المنابع والمصادر ستذهب جميع الجهود الدولية ادراج الرياح، وكان على العالم ان يلتفت – منذ 2013 حين صعد داعش على أنقاض القاعدة – الى ان جوهر الارهاب يكمن في النصوص الوهابية التي تبيح قتل الآخر وانتهاك حرمته وهي نصوص لا تزال تبشر بها السعودية التي تعد بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة دولة تهدد السلم والأمن العالميين بسبب دعمها العملي اللامحدود لتطبيق هذه النصوص وهي دولة تهدد امن جميع دول العالم (يدور الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حول ما تتخذه المنظمة الأممية من أعمال، حال تهديد السلم والإخلال به ووقوع عدوان علي المدنيين في دولة من الدول)، ولكن لم تُوجه اصابع الاتهام اليها (مع العلم ان ميثاق الامم المتحدة يلوِّح بإدانتها ومحاسبتها اذا ما توفرت النية في ذلك) بسبب منظومة المصالح التي تربط اميركا والكثير من الدول الاوروبية بالسعودية يضاف اليها قطر وتركيا فالعالم اليوم يدفع ثمن أخطائه في تقييم خطورة التنظيمات الإرهابية التي تتربع داعش على رأسها. داعش ومعها كل التنظيمات الإرهابية هي عبارة عن إمبراطوريات إرهاب متوحش تستند الى أسس دولتية ولم تقم على رمال أو أتت من العدم ولم تضرب الخاصرات الرخوة لدول هشة كالعراق وسوريا فحسب بل ضربت دولا ذات إمكانات استخباراتية وأمنية فائقة كفرنسا فهي تعمد الى عولمة نشاطاتها الإرهابية ومدها من إطارها الإقليمي في العراق وسوريا الى كل العالم، فلقد نفذت داعش جرائمها الوحشية البشعة في روسيا وفرنسا واسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة واندونيسيا وباكستان والفلبين والعراق وسوريا ولبنان وليبيا وتونس واليمن والجزائر ومصر وكينيا والعديد من الدول الأخرى، وهي ماضية في توسيع نشاطاتها الإرهابية وتطويرها كماً ونوعاً مما يتطلب معالجة عاجلة لهذا الداء الخطر الذي بات يهدد السلم والاستقرار في العالم أجمع بغض النظر عن التوجه الايديولوجي والسياسي للدول. ويعد هذا القرار حدا فاصلا بين تاريخين، الاول كان فيه العالم اجمع يراقب وغير مبالٍ ويكتفي بالتنديد واطلاق البيانات الاستنكارية الإنشائية فقط والثاني يتمثل في “الاستيقاظ” من السبات بعد ان دقت احداث باريس جرس الإنذار الذي اعاد الى الذاكرة رعب احداث 11 سبتمبر وهذه «الصحوة» عبر عنها مضمون القرار الذي تضمن الدعوة لإعلان حرب عالمية ثالثة «مشتركة» ودون تخصيص جهة أو محور أو دولة بل كل العالم لغرض إزالة داعش من العراق وسوريا بتضافر جميع الجهود المتاحة «اللازمة» لهذ الغرض ما يعني ان العراق وسوريا لم يعودا وحيدين في خندق المنازلة لان القرار أعطى الضوء الأخضر للمجتمع الدولي باتخاذ جميع الإجراءات الضرورية وبما يتفق مع القانون الدولي للقضاء على داعش وغيرها في هذين البلدين كما حث القرار جميع الدول التي تمتلك القدرة على محاربة هذا التنظيم بكل ما لديها من إمكانات عسكرية ولوجستية وتكنولوجية.
وثمة تساؤل آخر: ألم يكن المجتمع الدولي يعلم تمام العلم بأن جميع التنظيمات الإرهابية ابتداء بتنظيم القاعدة (الذي اعلن مسؤوليته عن احداث 11 سبتمبر وغيرها) وليس انتهاءً بداعش التي نشأت كتنظيم «إسلامي/ سلفي/ ارهابي واخواتها ونظائرها هي صناعة سعودية وماركة اخوانية وبتواطؤ اميركي غربي وتمويل قطري ـ تركي وان هذه التنظيمات تعتمد المناهج العقائدية التكفيرية المستنبطة جميعها من المدرسة الحنبلية ـ الوهابية التي تعتمدها السعودية مذهبا رسميا ؟ ثم ألا يعرف العالم ان السعودية أنفقت على مدار العقود السابقة عشرات المليارات من الدولارات في سبيل زرع نسخة الاسلام الوهابي في اغلب المجتمعات الإسلامية وأسلمتها وفق الرؤية السعو ـ قطرية كأفغانستان وباكستان وتونس ومصر ومالي وغيرها عن طرق الهبات البترودولارية وزرع النسخة الإسلامية الوهابية المزورة في المجتمعات غير الإسلامية عن طريق فتح المراكز الدعوية والتبليغية وتحت غطاء «انساني» خيري وهو ما يحصل يوميا في عموم اوروبا وسط تغاضي الاوروبيين عن خطر هذه المراكز التي تبث الفكر الوهابي التكفيري في عقول الجاليات الإسلامية التي يربو عددها الى أكثر من 44 مليون مسلم يعيش معظمهم في بريطانيا وفرنسا ؟.
ومن نتائج “غفلة” أوروبا وتماهلها بسبب شراهتها المفتوحة للمصالح المرتبطة مع دول الخليج، استشراء ظاهرة «الاسلاموفوبيا» التي تُنذر بفوضى مجتمعية وأمنية عارمة في عموم اوروبا ولكن وبعد التي واللتيا جاء اول الغيث بدعوة حزب بلجيكي يميني لحظر الوهابية ولأول مرة تتخذ الأجهزة الأمنية الفرنسية قرارا بغلق المساجد التي تتبع المدرسة الوهابية والسلفية.
استنادا لما تقدم اقول:
1 – لا يزال الحشد الدولي ضد داعش دون المستوى المطلوب فقد كان المفترض في القرار الدولي ان يفرض التعاون الدولي المشترك بالتنسيق مع العراق وسوريا الدولتين الاكثر تضررا من الإرهاب واللتين تقاتلانه على أراضيهما وتدفعان لوحدهما الثمن الباهظ برغم ظروفهما الاقتصادية الحرجة.
2 – اكثر الجهد الدولي في هذا المجال كان عبارة عن جهد ثأري انتقامي ورد فعل على أعمال إرهابية، فروسيا تحركت بموجب مصالحها في الشرق الأوسط التي تتمركز في سوريا وبعد سقوط طائرتها فوق سيناء،أما فرنسا فلم تتحرك الا بعد ان ضرب داعش باريس وهو ما دعاها الى تقديم مشروع القرار (2249) الذي اقره مجلس الامن أما المجموعة الأوروبية فكان تحركها انعكاسا لمآلات أحداث باريس ولأنها أخذت تهديدات داعش الإرهابية لها مأخذ الجد ولأول مرة ولكن بعد (خراب البصرة) كما يقول المثل.
ويبقى السؤال الأكثر مشروعية هو: أين كان مجلس الأمن عن العراق ؟.



