وصفة الحرية في سينما شعوب لا تعترف بالحب!

كمال القاضي..
قبل نحو خمسة عشر عاماً تقريباً، بدأت محاولات الاختراق الثقافي من جانب سينما الاتحاد الأوروبي، بضخ ملايين الدولارات لإنتاج أفلام نوعية تتحدث عن الحريات العامة والشخصية، ومحلها من الإعراب في دول العالم الثالث، وفي محاولة لتدشين الأفكار وترويج الأفلام، عملت المؤسسات الإنتاجية الدعائية على تنظيم ما عُرف في حينه بأسابيع كرافان السينما، ورحب المثقفون من المصريين والعرب بالفتح السينمائي الجديد، الذي يُبشر بسينما مختلفة تهتم بالإنسان وقضاياه الشخصية.
وبناءً عليه لم تتردد النخبة المُثقفة في التجاوب مع الوافد الإبداعي الأوروبي بمقاييسه ومواصفاته التحررية الآتية لتطوير العقلية الرجعية وتخليصها من الجمود الفكري، وآفات التعصب القبلي والإقليمي للعادات والتقاليد القديمة المُتغلغلة في البنية الثقافية والاجتماعية لدول العالم الثالث، ولأن هناك موقفا رافضا للسينما الأمريكية المُباشرة في عدائها للعرب والمُسلمين والثقافة الشرقية على إطلاقها، فقد تم الترحيب بالسينما الأوروبية بوصفها المنافس للسينما الأمريكية، ووفق القاعدة السياسية المعروفة، «عدو عدوي صديقي» جرى التعامل بأمان كامل مع المحتوى الثقافي الأوروبي المُتضمن بالأفلام.
وفُتحت كل الأبواب على مصارعها أمام الإبداع النوعي السينمائي المُغاير والمُختلف، وأقيمت الكرافانات وفُتحت القاعات وتولى كبار السينمائيين المصريين من أهل الثقة والحظوة الإشراف على عمليات تحضير الأفلام وعرضها، وفق البرنامج الجاهز، وتركزت جُرعات الدعاية المُكثفة للمشروع التثقيفي التنويري، وأنفق عليها الكثير من الميزانية المُخصصة، حتى صار كرافان السينما المصرية أشهر من المشروعات القومية في غضون أسابيع قليلة، وهرول القاصي والداني لمشاهدة المُختار من الأفلام وفق ذائقة كبار النقاد، حسب ما تضمنته جداول العروض في القاعات الفخمة.
وحان وقت المُشاهدة فرأى الجمهور من آيات التجديد والتطوير في المفهوم السينمائي ما يلفت النظر، ويُثير الشكوك، حيث ما تصور أنه لغة سينمائية مُناهضة لسياسة هوليوود هو محض تكرار وتنويع مراوغ على فكرة العبث بالهوية العربية، والأفكار والثوابت، فرسائل الأفلام لم تخرج عن سياق التسفيه للقيمة الاجتماعية والإنسانية والدينية بدعوى التحرر والتخلص من العُقد والمُعتقدات البالية! لقد اشتملت الأفلام على مستويات تقنية بديعة ومُبهره، فاستولت على العقول والمشاعر، وأضعفت تحت تأثير جمال المُفردات السينمائية الحس النقدي الفطري لدى المُتلقي، فجعلته مسحوراً بما يراه من براعة التصوير والديكور والإضاءة والموسيقى والأداء التمثيلي، وكان ذلك هو المطلوب فجرأة التناول الدرامي وإحكام السياق الفني بشكل احترافي، لعب دوراً في الإغراء بالأفكار والمضامين البراقة التي تدغدغ مشاعر النازعين إلى الحرية الأوروبية بمواصفاتها المُجتمعية بغير تفرقة دقيقة، ما بين الحرية كمُكتسب إنساني مهم له شروط والفوضى والتحلل.



