للحد من حوادث المرور … مساهمات التكنلوجيا في توفير السلامة للجميع

المراقب العراقي / خاص
بعيداً عن التشريح للتعليم الطبي، توظف أجساد الموتى في أبحاث ذات طبيعة مختلفة تماماً. أحد مجالات هذه الأبحاث دراسة مدى تحمل أجزاء مختلفة من جسم الإنسان لقوى الارتطام المتباينة من حيث النوع والشدة والاتجاه. وعادة تقوم مصانع السيارات بإجراء تجارب لمعرفة مدى مقاومة جسم السيارة للصدمات الناشئة عن الحوادث المختلفة، بالاستعانة بدمى من نوع خاص، وهذه الدمى تفيد في تبيان مقدار القوة التي تتعرض إليها أجزاء الجسم المختلفة. ولكن هذه المعلومة غير ذات قيمة إلاّ إذا عرفنا تأثير تلك القوة على كل جزء وعضو في جسم الإنسان الحقيقي.
وقد ساعد الأموات (الذين وهبوا أجسادهم للبحث العلمي) الأحياء – إن صح هذا التعبير- عبر أكثر من نصف قرن في أبحاث لفهم قوة احتمال جمجمة الإنسان وقفصه الصدري وركبتيه وأحشائه للإصابات الرضية العنيفة التي يتعرض إليها سائقو وراكبو السيارات. وتفيد هذه المعرفة صانعي السيارات للتوصل إلى تصاميم أكثر أمناً، بحيث تقي مستخدميها من مخاطر الحوادث. فعلى سبيل المثال: إذا علمنا باستخدام هذه الطريقة أن عظام القفص الصدري للإنسان يمكن أن تنثني إلى الداخل بمقدار ستة سنتيمترات دون أن تسبب تلفاً للرئتين، ثم أثبتت التجربة باستخدام الدمية أن الارتطام بمقود السيارة يسبب انثناءً بالقفص الصدري مقداره عشرة سنتيمترات؛ كان ذلك دليلاً على أن السيارة ليست آمنة بما فيه الكفاية.
ويعدّ اختراع زجاج السيارات المستخدم حالياً؛ الذي يتفتت عند الارتطام القوي، من أول مسهمات الموتى في جعل قيادة السيارات أكثر أماناً. في البداية لم تكن السيارات مزودة بزجاج أمامي لصد الرياح، وكان يتوجب على ركابها ارتداء نظارات خاصة لحماية أعينهم من الرياح، وما تحمله من رمال وحشرات طائرة. بعد ذلك زودت السيارات بزجاج عادي كالذي يستخدم في نوافذ البيوت، فإذا وقع حادث اصطدام تطايرت شظاياه وأصيب السائق والركاب بجروح خطيرة، وكذلك إذا ارتطمت به رؤوسهم. وعلى الرغم من أن الزجاج المغلف بالبلاستيك الذي استخدم لاحقاً (1930-1960) كان أكثر أماناً من سابقه، فإنه أدى إلى إصابات وجروح خطيرة، حيث تنشأ فتحة عند الارتطام قد يلج فيها الرأس جيئة وذهاباً فيصاب بجروح عميقة.
واخترع لاحقاً زجاج مقاوم للكسر؛ وتكمن خطورته في أن قوته تؤدي إلى نقل كامل قوة الصدمة إلى الرأس، ما يسبب تلفاً في الدماغ. القاعدة في إصابات الارتطام أنه كلما زادت صلابة الأداة المستخدمة زادت الخطورة على العضو المصاب. ولأن كسور الجمجمة تدل على شدة الصدمة وتشير في الغالب إلى إصابة الدماغ، تستخدم جماجم الموتى في اختبارات من شأنها معرفة العلاقة بين صلابة الزجاج وقوة الصدمة ومقدار الضرر، فيجعلونها تسقط من ارتفاعات مختلفة بحيث ترتطم بالزجاج، أو يثبت الرأس ويضرب بالزجاج بوساطة آلة خاصة. وقد أثبتت التجارب أن الزجاج المعالج غير السميك نادراً ما يسبب ارتجاجاً دماغياً. أما الزجاج الأمامي المستخدم في السيارات الحديثة فيسمح ببعض الارتداد بحيث لا يسبب ارتطام الرأس به ضرراً يذكر عند اصطدام السيارة بحائط بسرعة 48 كم/ساعة.
وكان ارتطام الصدر بالمقود الدائري عندما ترتطم مقدمة السيارة بسيارة أخرى، أو بأي جسم ثابت مصدراً لإصابات قاتلة قبل اختراع أحزمة الأمان. يندفع الجسم إلى الأمام فيرتطم الصدر بالمقود بقوة شديدة ربما تكفي لثني المقود وكسر الضلوع الصدرية للسائق. ولا تقتصر الخطورة على تمزق الرئتين بسبب أطراف الضلوع المكسورة، بل قد يتمزق الشريان الدموي الرئيس بالقلب (الأوورطة) عند نقطة اتصاله بالقلب نتيجة ارتجاج القلب المثقل بما يحتويه من دم. وقد استخدم الباحثون أجساد الموتى في تطوير مستوى أمان السيارات باستخدام جهاز يحاكي السيارة، يوضع فيه الجسد جالساً أمام المقود، ويعرض الجهاز لقوى الصدمة من الأمام. وكان أحد الأهداف اختراع تصميم آمن لعمود المقود، بحيث يتقلص على محوره الرأسي عند الارتطام، فيمتص الصدمة، ويمنع إصابات الصدر بصفة عامة. كما طوّر الباحثون أغطية المحركات الأمامية بحيث تنثني على نفسها عند الارتطام فلا تندفع إلى الخلف لتجنب ما قد ينشأ من إصابات، إذا تراجع الغطاء المعدني، وكسر الزجاج الأمامي وأصاب من في السيارة.
وبناءً على الأبحاث التي تستخدم أجساد الموتى، تأكدت فائدة أحزمة الأمان الشاملة للكتف بدلاً من أسفل البطن فقط، وأكياس الهواء التي تتمدد تلقائياً لحظة التصادم، وتغليف الأجزاء المعدنية الداخلية خاصة أمام المقعدين الأماميين بمادة لينة، ومفاتيح التشغيل المطمورة (مفاتيح الراديو وأجهزة التكييف مثلاً). كما بينت دراسة نُشرت عام 1995م أن هذه الأبحاث أسهمت في إنقاذ حياة حوالي 8500 شخص منذ عام 1987م. وتقول الدراسة نفسها إن كل جسد تعرض لتجارب أحزمة النجاة ساهم في نجاة 61 شخصاً سنوياً، وكل جسد تعرض لتجارب أكياس الهواء يساهم في إنقاذ 147 شخصاً سنوياً، وكل جسد تعرض رأسه للارتطام في الزجاج الأمامي خلال التجارب يساهم في نجاة 68 شخصاً سنوياً.
وعلى الرغم من عدم دقة الاختبارات التي تستخدم فيها الحيوانات الميتة، أو المخدرة بسبب الاختلافات الجوهرية في التركيب التشريحي بينها وبين الإنسان، فقد ظلت تستخدم في محاكاة أجساد الأطفال. يعود ذلك لسببين؛ أولهما أن الأطفال لا يهبون أجسادهم، والثاني أنه من غير المناسب مطالبة الآباء والأمهات الثكلى بالتبرع بأجساد أطفالهم. في عام 1993 أقدم باحثون من إحدى الجامعات الأوروبية على استخدام أجساد أطفال في دراسة بحثية من هذا النوع دون موافقة والديهم، واكتشفت الصحافة الأمر، فانتهى الأمر بإغلاق مركز الأبحاث المتورط في الفضيحة.
أسفرت التجارب التي أجريت لاختبار أثر الصدمات الجانبية على الركاب باستخدام الأجساد، إلى اختراع أكياس الهواء الجانبية عام 1998. وتتعرض المركبات للصدمات الجانبية أثناء مرورها عبر التقاطعات الرباعية بسبب عدم توقف البعض في الإشارة الحمراء، وثبت أن الأحزمة والأكياس الأمامية لا تقي من هذا النوع من الصدمات، التي تزيد خطورتها بسبب تلقي الصدمة مباشرة، دون وجود ما يمتصها من جسم السيارة عدا مقدار سُمك الأبواب. ويحتاج هذا النوع من الأكياس الهوائية إلى تقنية ذات حساسية عالية، مقارنة بالتقنية المستخدمة في الأكياس الهوائية الأمامية، ولذلك لا تتوافر إلاّ في أنواع معينة من السيارات.
وتؤدي الصدمات الجانبية إلى كسور بالكتف، وكذلك الضلوع؛ التي لا تستوعب الانضغاط الجانبي على عكس الانضغاط الأمامي الذي يسمح به تكوينها المقوس. وتكمن خطورة كسور الضلوع في تعطيل عملية التنفس، فالتنفس لا يعتمد فقط على انخفاض الحجاب الحاجز لسحب الهواء إلى الرئتين، بل يحتاج أيضاً إلى قفص صدري سليم، والعضلات المتصلة بضلوع القفص الصدري التي تنقبض وتنبسط فتقرب وتباعد المسافة بين الضلوع، فيضيق تجويف الصدر ويتسع تبعاً لذلك. إذا انكسرت عدة ضلوع من القفص الصدري تتعطل هذه المهمة. كما يؤدي جذب الحجاب الحاجز إلى انخساف الجزء المكسور فلا تتمدد الرئة. يترتب على ذلك صعوبة شديدة في التنفس قد تؤدي إلى الموت.




