ثقافية

التشكيلية سهى محمد تسعى لترميم اندثار مدنها القصية

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد رحيم يوسف ان الفنانة التشكيلية سهى محمد تسعى لترميم اندثار مدنها القصية ، مبينا انها تقبض على جمر اللون الذي يحرق روحها قبل اصابعها ، بحثا عن جذوته ، وهي تتمثل خطوات طفولتها في دروب المدينة المندثرة.

وقال يوسف في قراءة نقدية (خص بها (المراقب العراقي): ان الفنانة التشكيلية سهى محمد تقبض على جمر اللون الذي يحرق روحها قبل اصابعها ، بحثا عن جذوته ، وهي تتمثل خطوات طفولتها في دروب المدينة المندثرة لتملا روحها  مجددا بعطر القداح المتسامي في الهواء الرطب الذي يدور منفلتا صوب المآذن واعناق النخيل المتطاول صوب الفضاء في سماء غابت عنها الغيوم التي تنثر البهجة وتحولت الى دخان يلف اجواء المدينة التي استحالت حلما تستعيده من الذاكرة .

وأضاف: ان البناء العام الذي عمدت على انشاءه والذي يتخذ الشكل الهرمي عند التدقيق فيه ككل ، بتعمد قمة الهرم المكونة من المآذن والنخيل ، وقاعدته الناعور يفضي الى دلالات ما أرادت ايصاله بحرفية كبيرة ولأسال مقدما كيف لها أن ترمم دمار واندثار ما أحبت ، واعني  المدينة ؟ هل تتمكن من ان تعد خطواتها الطفولية  المترنحة ؟ وان تمثلها مجددا مستعيدة اياها من الذاكرة ، رائحة التراب الندي والقداح الذي يملأ هوائها  ، واصوات ماذنها الذي يتردد صداه بين البيوت الطينية ، وحفيف السعف ، شدو البلابل وزقزقة العصافير  طفولتها البعيدة التائهة في ضجيج العالم الذي ماعادت منه لحظة تماثلها ابدا في عالمها الذي تحيا فيه ، انطلاقا من ذاكرتها تسعى الفنانة التشكيلية سهى محمد  جاهدة لاستعادة وتمثيل الكثير مما تعج به تلك الذاكرة ، وليس من المهم بالنسبة لها  تقييم درجة الفشل او النجاح في عملها لحظتها ، انما المهم هو محاولتها تلك  وما ستليها من المحاولات ، بالضد من الاندثار والنسيان ، في خطابها الجمالي الذي تبثه على سطوح اعمالها ، لتفيض بحركية وحياة ما اندثر لمختلف الاسباب ،

وتابع :في عمل يضج باللون والادهاش سعت الفنانة سهى محمد لاستعادة مدينتها الاولى على الأغلب واعادة تمثيلها على السطح التصويري بمقدرة فائقة  ،  فالجميع ودون استثناء يحفظ خطواته الاولى في دروب المدينة حيث نشأ ،  المدينة الشوارع والدكاكين الصغيرة ، والاحبة الذين غادروا واحدا واحدا  وهو قيد الانتظار ، الاسواق والمتاهات واصوات الباعة ، ضجيج المدينة الذي يحيي الذاكرة ، الكل يحمل المدينة عشقه الاول حيث تأخذه خطواته مرغما او طائعا وهو يسير في دروب الكون الواسع ، لكنها تبقى تحتله كليا ليبقى يستعيدها ، رموزا واشارات ، لغة وألوان ، وهذا ملجاه حين يحاول استعادتها من مطمورات الذاكرة ،  وقد يفلح بذلك او لا ، لتبقى محاولاته تدور في فلك تمثلها في كل لحظة بالكثير من الشغف والحنين ، لعل هذا هو انطباعي الاول حين تأملت بالكثير من الدهشة عمل الفنانة  الذي المستل من معرضها ( مدني القصية ).

وأستطرد:وقبل الدخول إلى تفاصيل عملها الفذ ومحاولة فك طلاسمه وشفراته التي بثتها بحرفية كبيرة ، اود ان أشير الى قصدية العنوان ( مدني القصية ) الذي حمل معنيين في ان واحد ، فمع ان الظاهر من العنوان انها تعني بالقصية البعد زمانيا ومكانيا الا اننا وبالقليل من التدقيق سنعرف حتما ان القصية تعني التحييد والازاحة لاسباب لسنا بصددها الان ، وبمعنى اكثر دقة للعنوان هو الاندثار ، ومن هذا المعنى انطلقت الفنانة لاستعادة المدينة مجددا ، لان اندثارها يعني بالضرورة اندثار جزء مهم من ارثها الشخصي ، فاطلقت خطابها الجمالي في هذا العمل بالضد مما تقدم ، وبنظرة أولية للعمل يظهر جليا حجم الألم والفداحة التي تشعر بها الفنانة وهي تغطي سطحها التصويري بالكثير من المفردات التي غدت ركنا اساسيا في ذاكرتها ، بكثافة وتحشيد يصل لحد المبالغة لكثرتها لدرجة ان المتلقي سيواجه صعوبة في محاولته  لفك تلك الحشود.

وأكمل:ومع هذا الاحتشاد في المفردات ومرموزاتها الا انها ليست بعصية على الفهم ، لان الفنانة تعي جيدا ان تلك المدينة التي اقصيت او اندثرت ما زالت تمثل لها  الحياة التي اريد لها ان تتوقف ، وعلى الرغم من ان ما مثلته على القماشة هو مدينة مدمرة كما يوحي الجو العام على السطح التصويري ، الا ان المدينة تضج بالحياة وكانها عنقاء تنهض من ركامها  فالناعور الذي وضعته في قاعدة هرم اللوحة مازال يدور  وهو يفيض بالماء باعتباره أهم اسرار الحياة الازلية ودورانه الزمني المستمر يشي بالتقدم الى الامام دون شك ، وكذلك النخيل والماذن والازقة التي وزعت بمقدرة فنية واضحة لا لبس فيها ، والزقاق القصي الذي غيبت ملامحه استعادته وهي تتأمل  خطواتها الاولى على دروبه الطينية لتفيض على السطح بالعاطفة ، وهي وان احرقت المدينة  من خلال استخدام الالوان / لاشعوريا ربما/ مارست  إقصاء المدينة مجددا لتعيد تشكيلها فيما بعد ، واخيرا لعل تعمدها ان تاخذ قمم النخيل المتناثر في ارجاء المدينة شكلا محورا بدا وكانه أصابع ترتفع احتجاجا في وجه العالم الذي اطاح بالمدينة ومعالمها وساكنيها .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى