” الحياة تحت الصفر” نشتقّ أشخاصا منا لحمايتنا أو لخدمتنا

حسن داوود..
أتساءل، وأنا أقرأ القصيدة الأولى من مجموعة عباس بيضون الجديدة” الحياة تحت الصفر” ما الذي كان يفعل هو، أقصد جسمه، أو رأسه، أو كليهما معا، حين يتكرّر الزمن «على طول هذا اليوم». أو ربما كان الشاعر هو الذي يسأل أولا، إذ يقول إنه أحيانا، «وأحيانا فقط» سنحصل على عطلة أمام التلفزيون». ما الذي كان قبل هذه العطلة إذن، وما الذي سيكون من بعدها. إنها «حياة مُعارة» تلك التي تتكرّر. ربما ما نفعله هو العدّ، عدّ أشباه الأمس، أشياء الأمس. الحياة «عدد يكبر ببطء». عدد نسجّله فقط، لأننا نعدّ، وها أن العدّ وصل إلى عشرين نفثَها القرنُ «عشرين عاما نافقا». هذه، أعوام العمر الأخيرة، «عجزت عن أن تكون ماضيا» حتى إنها لا شيء. سنوات سقطت منا، أو «عقود سنين/ كوجبة أسنان بصقناها».
نعيش في زمن لم نعد موجودين فيه. كان علينا، في منافي الغرف التي توزّعنا فيها، أن نقاوم العزلة، بأن نشتقّ أشياء منا لترافقنا، لتؤنسنا أو لتخدمنا؛ شخصا واحدا، شبحا، شيئا مثل هذه (…) الثلاث نقاط، لا ضرورة لأن نعرف ما هو أو ما هي، يعبر أو تعبر من شقّ الباب، ويترك «على المقبض/ نظرته الماحية» أو نشتقّ شخصا «اتكلمّ معه/ ليفسح لي جنبه» على السرير، إذ اللاشيء، حتى اللاشيء، مسكون بالخطر. والرعب كذلك، وهو حين يأتي غالبا ما لا يحتاج موضوعاً.
أتساءل وأنا أقرأ قصائد عباس بيضون العشرين كيف أمكن لإحداها، بل لكل منها، أن تستقلّ عن الأخريات، لشدة ما هو صعب تفتيتها من كتلتها الواحدة، أقصد ذلك الاختناق الواحد الذي يصعب أن يسمّى قبل أن نقول إنه يصعب أن يوصف، كما يصعب أن يُكتب، ذلك العيش الذي لا يمكن أن نفعل فيه غير ملاحظة التشابه، وغير عودة التكرار، كيف يمكن أن نخلق له عالمه، بل أن نوزّعه على عشرين قصيدة. النفي في الغرف ذاك ظننَا، مع انحباسنا وتوارينا، إنه لن يكون إلا مرحلة سبات علينا انتظار وقت انقضائها. فقط عند انتهائها، أو الإعلان عن انتهائها، نعود إلى ارتداء ثياب الخروج التي أودعناها الخزائن، واستئناف الحياة التي كانت قد انقطعت.
ثم كيف يمكن وصف المنفى، أو المرض، أو العدوى، أو كل هذه معا، في ما كل منها ما يزال في أوج نشاطه. ربما كنا نظن، بل ربما ما زلنا نظن أن علينا أن ننتظر انتهاء ذلك «الشيء» حتى نتمكن من وصفه. أما عباس بيضون فيستطيع أن يستخرج من قطعة الألم، من ذلك النيزك الغامض المتجمعة كتلته، كلاما يقال في فهمه. إنه يفتّته، ساعيا على الدوام إلى بلوغ نواته. يخطر لمن يقرأ هذا الشعر أن يقول إن ما يسوقه إلى ذلك الفهم حاسّةُ الألم، اليقِظة على الدوام، أو ربما هي حواس أخرى تقوم على إيجاد شبه بين شيئين، أو أشياء لم يُنْتَبه إلى أنهما تلاقيا أو تماسّا من قبل.



