“لا رجاء لطائر الغيهب” قصائد شاعرها فضل الظل حفاظاً على كرامته من الضغط الصدامي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى د. سمير الخليل ان الشاعر “علي عيدان عبد الله” قرر أن يكون من شعراء الظل حفاظاً على كرامته الشعرية في ضغط النظام الشمولي الصدامي المتسلط.
وقال الخليل في قراءة نقدية خص بها(المراقب العراقي): في مجموعته الشعرية ال (لا رجاء لطائر الغيهب)، الصادرة عن دار تموز- دمشق 2019 يواصل الشاعر “علي عيدان عبد الله” عراب قصيدة النثر السبعينية في العمارة كتابة قصائده في شكل ومضات شعرية أو شذرات مضغوطة، مكثفة بشدة، معتصراً بذلك كل تجربته، مستحلباً ما تبقى في ذاكرته من عصارة جمالية، وكما عودنا في مجاميعه السابقة، فهو لا يؤمن بقصيدة النثر الطويلة على غرار الشاعر والقاص الأمريكي “أدغار إلن بو” الذي كتب أولى قصائد النثر بالعالم، ودشن مرحلة تمردية جديدة على الأوزان التي قيدت الشعر قروناً طويلة، وكان “بو” بحق رائد قصيدة النثر القصيرة بلا منازع.
وأضاف: يسعى “علي عيدان عبد الله” كعادته إلى كشف الفرضيات الشعرية والعمليات المرتبطة بالدلالة والايديولوجيات المتأصلة في صلب الشعر والتي تكررها النصوص الشعرية أو تهدمها، ويسعى جاهداً لخلق تعددية للمعنى كيما يتجاوز- بطريقة حاذقة- المبادئ الشعرية العامة التي تمتص المعنى.
يهدف منحى الشاعر كما يبدو إلى استثمار لا محدودية المعنى على أنها وسيلة لتكثيره وتكثير مستويات قراءته، ويستعمل في منهجه كل ما من شأنه أن يطلق المعنى من قمقمة لكي يشير إلى دلالات أخرى لم تكن بالحسبان، ليفضح زيف الواقع ويصطف مع الحيوات المتسترة بالظلال، ليقوّض أعراف القراءة الموروثة ويعيد تركيبها بمزاج آخر وحساسية جديدة.
واشار الى إنَّ هذا الاستخدام المراسي للجمل الشعرية المفارقة يؤدي في النهاية إلى تمرين في القراءة يتحوّل بمرور الوقت إلى تمرين في الحرية، هذا التمرين الذي سيعيد تركيب أوصال الثقافة وقد قطعتها الضغائن والأصوليات وتحالفات القوى المجندة لكره الحياة.
وتابع: يمكن للقارئ أن يجد تلمسات هذا الأستخدام الشعري في موضعة الجملة الشعرية الومضة بين حالة الكمون والاستمرارية، الكمون في النص والاستمرارية في القراءة وهي تنتشر في الأجواء عند الأوساط المهتمة.
وأوضح : ان الكتابة الشعرية عند “علي عيدان عبد الله” منذ مجموعته الشعرية الأولى [لائحة شعر رقم (1) 1977]، والتي صدرت عن دار العودة- بيروت، اعتمدت على اختيار التربة الاجتماعية الخصبة لكي يستنبت بذوره فيها، وهي تربة الفقراء والمهمشين الذين لا يحتاجون إلى اللغة المفخمة والاستعارات العالية النبرة، فقط تكفيهم الإيماءات التي تترجم إرادة الفرد الحرّة وما يحيق بهذا الفرد من اكراهات وقيود لا بد من تجاوزها بسرانية الإشارة وقوتها وهي تعبر الجدران والأسيجة المغلّفة بالأسلاك الشائكة أو المكهربة.
وبين :من هنا اكتسبت قصيدة النثر السبعينية في “العمارة” سريتها وخصوصيتها بعد أن دعمت بمجموعة (الخطى/ 1978) وهي المجموعة الشعرية الثانية لعلي عيدان عبد الله، ومجموعة (أسرار الطيور الغريبة الأطوار/ 1977) لمحمد حمد، ومجموعة (الأظافر والأصابع/ 1977) لمحمد قاسم الياسري، ومجموعة (قصائد ملعونة/ 1977) لجابر محمد جابر، وكل هذه المجاميع الشعرية صدرت بوقت متقارب وبوتيرة متفق عليها، فشكلت بمجموعها سابقة خطيرة في مدينة لا تؤمن بأي خروج أو مروق على عمود الفراهيدي (أو أي عمود آخر في شأن آخر) فاعتبرت هذا السبق المنافي لثوابتها سبّة ثقافية ما بعدها سبّة، وقد عانى الشعراء الأربعة من النبذ والاهمال لوقت ليس بالقصير، فمنهم من هاجر إلى خارج البلاد (محمد حمد)، ومنهم من تحوّل إلى كتابة الرواية والنقد الأدبي (محمد قاسم الياسري)، والثالث تحوّل إلى العمل في الصحافة البغدادية (جابر محمد جابر)، إلا علي عيدان عبد الله فقد واظب على تسجيل أحلامه في شكل أشعار ونغمات ذات طابع متميز بالولاء للغة المستقطرة والإصرار على مواصلة الطريق مهما كثرت عثراته، مستهدياً بحريته التي حصل عليها بعد طول تمرس وتدريب ومثابرة وبذاكرته التي لا تنسى بسهولة، تلك الحرية المرتبطة بالذاكرة هي ما يميز شعرية “علي عيدان عبد الله” في هذه المجموعة أو في مجاميعه السابقة وقد بلغت الـ(15) مجموعة شعرية.
وأكمل :إنَّ صيغة التوفيق بين الحرية والذاكرة هي التي تدفع الشاعر إلى مواكبة الكلمة المنتقاة واستعمالها الى اقصاها، وتحثه على الاستمرارية بوصفها نقيض التعطيل، ويلاحظ أن هذا الخيار شبه المصيري للشاعر هو الذي شجعه على مواصلة الإبداع وامتصاص أكبر قدر ممكن من المغذيات الثقافية التي تعزز قدرته على التجدد والإبتكار، وذلك واضح بقوة في شعريته التي تنطوي على بذور النفي والهدم، وهي تناضل لتجديد نفسها مع كل مجموعة شعرية جديدة من خلال تحرير نفسها من عبودية النظام اللغوي المقولب للتجربة، فبدون تنقية اللغة الشعرية من الصيغ التقليدية المألوفة، ستتحول التجربة النصوصية في النهاية إلى صيغة “كلاسيكية” بفضل التقادم، وهذا ما تكرهه قصيدة النثر أشد الكره، وتنكره بأقوى العبارات.
ونوه الى ان أهم ما في شعرية “علي عيدان عبد الله” هو الأسلوب المكثف على مستوى مساحة اللغة المستعملة والمنفتح على شساعة التأويلات. إنَّ هذا الأسلوب ما بين تكثيف وانفتاح يوفر المناخ الملائم لهضم فهم جديد ويعزز في الوقت نفسه ميدان الشعر ويجعله منبعاً ضد الهدم من الخارج، فيعيد الشاعر تعريف شعريته من خلال ما يفهم منها على أنها لا تخرج عن نطاق المجتمع القرائي المؤول الذي ينتمي إليه القارئ الذي يقوم بالفهم والتمثل (الاستيعاب والهضم والتمثيل اللغوي)، وأنها ناتجة عن ذلك المجتمع الأليف، وبذلك تلغي من يحاول هدمها من الخارج بقوة استخدام طاقتها في تثوير جيل من القراء المكتوين بنار القمع والإقصاء.
وختم :وبفضل هذا الأسلوب تتطور القراءة إلى شبه اعتقاد، وتعد ضرورية جداً في اللحظة الراهنة، لحظة انفجار ثورة الوعي ضد سلطة الفشل والأحبة والعنف التي تعوّد الحياة الوطنية إلى الهاوية. وها هو الشاعر قد حدد “مهمته” منذ بداية المجموعة: ((أن أهيئ المسارات/ لكل من يجد في نفسه حباً/ لا تضجره مرارة/ ولا يبدده زمن خؤون)). (ص7). وها هو ينجح في مسعاه للمرة الخامسة عشرة وستبقى لعلي عيدان الريادة في إبداع قصيدة النثر منذ السبعينيات ولاسيما الومضة الشعرية التي كانت سمة له في وقت مبكر وقد ظل الشاعر يبدع بصمت من دون تهريج إعلامي أو تمجيد للذات أو ادعاء وآثر أن يكون من شعراء الظل حفاظاً على كرامته الشعرية في ضغط النظام الشمولي المتسلط.



