“مطر على رصيف الذاكرة “قصص عن الأحلام المترشحة من اللاوعي كرغبات مكبوتة

المراقب العراقي/المحرر الثقافي…
يرى الناقد محمد قاسم الياسري قصص ” مطر على رصيف الذاكرة ” لـجابر محمد جابر قصص عن الحلم الذي يترشح من اللاوعي كرغبات مكبوتة.
وقال في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي) اعتمدت قصص “مطر على رصيف الذاكرة” لجابر محمد جابر وهي قصص قصيرة جداً على تقنية تيار الوعي في تصوير الشعور عند تقديم وعرض الحالات النفسية التي يمر بها أبطال القصص والذين هم بالحقيقة ظهور متعدد لبطل واحد هو : أنا القصة ، أو أنا المؤلف الحقيقي ذاته ، وقد أراد لهذه القصة أن تكون متتابعة من اللحظات المستعادة والتي يحاول تأبيدها بإدخالها في التاريخ السيري ، وهو تأريخ أدبي بامتياز ،هذا على مستوى الشكل وأسلوب تناول الموضوعات ، أما على مستوى المضمون بوصفه الأرض المرجعية الراكزة فقد عوّل على موضوعة ” الحلم” ، وقد استثمرها الى أقصاها أفقياً وعمودياً ، طولاً وعرضاً ، داخلاً وخارجاً ، الحلم الليلي والحلم النهاري ، الحلم الذي يأتي بضغط الإستذكارات والحلم الذي يترشح من اللاوعي كرغبات مكبوتة .
وأضاف: ولأجل الابتداء بعتبة جديدة أكثر ثقافية للنقاش في ضوء ما قرأناه من أحلام في هذه القصص ، لماذا لا نعكس المعادلة الفرويدية لتتساوق مع ما يجري راهناً على الساحتين العراقية والعربية ؟، إن الإنسان هو صاحب الحلم ، وهو الموّلد للخير والشر في الحلم أو في الواقع ، ولأنه المتعاطي الأول مع حلمه ومع الواقع ، ولأنه المستفيد الأول من تطابق حلمه مع الواقع ، فسيكون الخاسر الأول عندما لا يتطابق حلمه مع واقعه ، وسينكمش على نفسه ، ويكبت حلمه ، حالماً هذه المرة ان يقتل في الحلم عوضاً عن أن يقتل في الواقع.
وأشار الى ان النص السردي لا يعوّل دائماً على ترجمة نصوص سابقة له كنصوص الأحلام مثلاً ، لأنه يبني معانيه من حمولات تتجاوز حجم الأحلام الليلية لتصل إلى هموم الحالم النهارية ، وهي هموم جمّة لا تجد تأويلاً مقنعاً لتسريباتها إلاّ بتعاضد حقول معرفية متخصصة بفهم اصل الأزمة الاجتماعية والتشوهات الأخلاقية (التشوهات القيمية) وصراعات السوق والدجل والكذب والتزوير وهي تستشري كالسرطان في الأماكن الطرفية الفقيرة من المدن الحديثة . ثم هناك المسائل الانطولوجية المربكة : من أنا؟ ولماذا أنا بهذه الكائنية ؟ وهل هناك تاريخ حقيقي متسلسل من البداية إلى النهاية أم هناك حقبة لا تعرف بدايتها السحيقة في القدم وليس من حقها التساؤل عن النهايات القصوى ؟ هل للصدفة مكان في هذا السديم غير المتعيّن بدقة وغير المفهوم ، أم هناك ضرورة تحدد للصدفة وجهتها المقنعة والممنهجة في التاريخ المحلي أو التاريخ العام؟ ما جدوى الصراع بين الكبت والرقابة في حياة لا يقين فيها إلاّ بجهود البشرية في التقدم والنماء ؟
ولفت الى إنَّ رمزية الأحلام وهي تحيل إلى حقل الاستيهامات لا تشكل خطاباً سردياً أو معماراً يتماحك باستمرار مع حضور التأريخ أو غياب التقاليد أو ثبات البناءات وهي تمارس حرباً شعواء ضد كل متحد جسور فرمزية الأحلام وهي تستند على بعض معطيات النهار ، وقد رشحت من دماغ النائم المرهق المكبوت تفيد في فهم التماثل والاختلاف داخل الحقل الأدبي القابل لاحتواء أي رمز أو شفرة أو قناع مجازي يثري عالم النص أو يستثمر في فهم عقلية من يقف خلفه (المقاصد اللاشعورية للمؤلف) ، وتحت أية محرضات كبتت تلك الحكايات الحزينة.
وبين :ولأن رمزية الأحلام تعمل على الماضي : تاريخ النهار الجاري أو النهار الذي قبله أو تاريخ الطفولة أو تاريخ منسي قديم وصولاً إلى مراحل مبكرة اخذ فيها صاحب الحلم مكانه ضمن تشكيلة قومية أو إثنية أو طائفية لها أحلام وتطلعات ؛ ولأن مادة تلك الأحلام وقد التبست بالماضي القريب أو البعيد أو المغرق في البعد جاءت على شكل نصوص مليئة بالثغرات والندوب والرضات ، فسيكون ردم تلك الثغرات وتفكيك هذه الندوب وفهم الرضات واجباً إجبارياً يقوم به المؤلف والقارئ بتبادل أدوار يستدعي تطابقيه أفق الماضي وافق الانتظار (أفق التوقع) ، وافق التأويل ، وتواشج الوعي مع اللغة.
وأوضح :من هنا ينبغي الحذر من تعميم ثقافة هذيانية تساهم – من دون أن تعي ذلك تماماً – في قتل أحلامنا النهارية ، لأن الآخر – العدو بإمكانية الديناصورية الهائلة بمقدوره ان يحوّل تلك الهذاءات إلى نجاحات كولوينالية على جميع الأصعدة . يقول ” مطاع صفدي”: (لم يكن عجيباً أن يجد التحليل النفسي جنته الاجتماعية والأيديولوجية في حضن الأحركة الصاعدة خلال النصف الأول من القرن العشرين ، فيغدو شعار ” التلاؤم مع الواقع ” هو الوصفة السحرية التي تقدمها الأحركة لكل الوافدين من الثقافات الغربية والمتعارضة ، فالمطلوب ليس مجرد التخلي عن الأثواب القديمة البالية ، ولكن تحرير الجسد ذاته من جسديته ، والتراجع إلى مرحلة الهيولي ، السابقة على كل تشكيل ؛ لأن التلاؤم مع الواقع يأمر الجسد المنتصب أمامه بكسر هيكله العظمي ، والانكفاء إلى حالة من العجينة الممنوعة من الدخول في أي تشكيل نهائي بل عليها المكوث في تلك الحالة الرخوة التي تجعلها قابلة للدخول في أي قالب مؤقت دون الالتصاق به نهائياً ، وذلك حتى يمكن خروجها منه وإعادة التجربة مع قوالب أخرى ، عارضة وعابرة ، وهكذا إلى ما لا نهاية.
وختم :لقد كان القاص ” جابر محمد جابر ” متنبهاً لكل المفاهيم وهي تتمفصل مع خطابه القصصي ، وكان واعياً لكل الفخاخ المنصوبة في أخاديد جمله الطويلة وعباراته المبتهجة بالتكرار ، لذلك جاءت قصصه حذرة ومقتضبة ومختصرة بإمعان شديد .



