محاولة لإنعاش ميت لمدة خمسين عاما..!
وقع بين يدي قبل أيام كتاب ضخم بـ858 صفحة، وكان عنوانه ” آفاق العصر الأمريكي:السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد “.
الكتاب، وهو الإصدار العربي الأول من نوعه، كتبه د. جمال السويدي، الذي يعمل مديرا عاما لمركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الامارات، ومن حجم الكتاب؛ يبدو أن الكاتب بذل جهدا كبيرا، لا يمكن لفرد أن ينجزه لوحده، ولذلك فإن من المؤكد، أن فريق بحث كبير قادر كان بمعيته..
الكتاب كما تناولته وسائل الإعلام، توفر على تسويق جيد، لا سيما وأن مؤلفه قد وقعه أولا في أمريكا، وثم في بلده الإمارات، فضلا عن فعاليات نشر في عمان العاصمة الأردنية.
تنطبق على هذا الكتاب مقولة أن الكتاب يعرف من عنوانه، إذ لم يكن عسيرا علي وأنا أشرع بقراءة الكتاب، أن أتفهم مقاصده ، فالرجل إستهل كتابه بالترويج لفكرة تقول: أن أمريكا باقية على حالها المهيمن لخمسين عاما مقبلة، وأنها تعد القطب المهيمن على النظام العالمي الجديد، وأن العالم لم يزل يستشرف آفاق العصر الأمريكي، الذي سيستمر طيلة العقود المقبلة، مبرهنا رأيه هذا بإحصائيات، تتحدث عن التفوق النوعي الأمريكي، إستنادا الى المعايير التي وضعها هو، وهي: الاقتصاد والتطور العسكري، وموارد الطاقة والنقل، والتعليم والثقافة والتقدم التقني.
الأسباب لتبني باحث ليس أمريكيا للرؤية الأمريكية، تعكس المقدار الذي وصلت اليه العلاقة بين أمريكا، وبلد الكاتب، الذي لا يتخيل وجودا لبلاده بدون أمريكا! ولذلك يبدو منحازا بشكل مكشوف للموقف الأمريكي، بل ونحن نمضي قدما في قراءة الكتاب، نكتشف أن الكاتب، لا يفكر مطلقا بتراجع للدور الأمريكي، تحت أي ظروف.
المعطيات التي باتت معلومة لكل من يقارب التحليل السياسي، ولو بمقدار بسيط، تشي بأن أمريكا كنظام، دخلت مرحلة الأفول، وأنها تنحدر ببطء نحو نهاية ليست سعيدة لكثيرين، منهم د. جمال السويدي، وقادة بلده، وباقي بلدان الخليج والجزيرة العربية.
ثمة أسرار مكشوفة؛ وراء صدور مثل هذا الكتاب الضخم، والكتب التي يتوقع صدورها في المستقبل القريب على شاكلته، من هذه الأسرار؛ أن قادة أمريكا وحلفاءها يعلمون علم اليقين، أن النجم الأمريكي الى أفول، وأن قوى منافسة مثل الصين وإيران ، ستنهي حالة القطب الواحد، لصالح تعدد الأقطاب، كما يعلمون أن الأقطاب الجدد لاعبيون كونيون، لا يعانون من الشيخوخة التي تعانيها أمريكا وحلفاؤها، سواء في الغرب، أم في المنطقة العربية.
الكاتب يعلم ايضا أن من يربط مصيره بالنظام العالمي الجديد، الذي تقوده أمريكا، سيكون مصيره مصير هذا النظام، الذي بدأ يتفكك حتى قبل بروز ملامحه بشكل تام.
كلام قبل السلام: الكتاب يعكس مقدار الهلع الذي ينتاب أنظمة الخليج والجزيرة العربية، وما ترويجه لبقاء الهيمنة الأمريكية لخمسين سنة قادمة، إلا محاولة مريض عجوز مثقل بأمراض الشيخوخة، بأن الطب الحديث يمكن أن يبقيه حيا، لخمسمائة عام قادمة، كما أفترض أطباء غربيون ذلك قبل أيام!
سلام….
قاسم العجرش
qasim_200@yahoo.com



