«بوق»السرد بوصفه إدانة للحرب

المراقب العراقي/ متابعة…
تسرد رواية «بوق» لمحمد الأصفر الصادرة حديثا عن دار مسكيلياني في تونس، حكاية إنسانية مؤلمة لشاب ألماني اسمه كارل رمت به أقداره إلى جحيم الحرب العالمية الثانية، ليشارك فيها بوصفه نافخ بوق، وهي الحرفة التي كان يتقنها، بدون أن تكون له علاقة بالرصاص والنار والدبابات والبنادق، التي زج به ليكون موقدها، بزعيق بوقه الرهيب مضطرا.
وبعد حروب طاحنة قتل خلالها الآلاف من عسكريين ومدنيين وأطفال ونساء، وأحرقت بنيرانها الغابات والمروج والمحاصيل والمساكن، ودكت الأراضي، وشوت القلوب، ومعها المشاعر والأحاسيس والانفعالات، مولّدة في نفوس من نجوا من كوابيسها الفظيعة، علل الرعب والخوف الآبدين، وجد كارل نفسه مرميا على حافة بئر في صحراء موحشة، بعد أن أخطأ قلبَه رصاصُ الخصوم، مضرجا في دمائه، يترنح بين الحياة والموت، ليقوم بنجدته شيخ يدعى «مفتاح» وقبيلته، فيضمدوا جراحه، ويكرموا وفادته، ليصبح فردا من القبيلة يتكلم لغتها، ويرافق شبابها، ويشاركهم صيدهم وطعامهم.
تهيأت لكارل، في ظل الاستقرار الذي وفرته له القبيلة، العودة إلى بوقه، وطبيعته الإنسانية التي جردته منها شراسة الحرب، متخذا من كهف يوجد على تخوم القبيلة مسكنا له، يختبئ فيه عن أنظار من يترصده من أعداء، وعلى الطرف الآخر من الحكاية فتاة اسمها «كلارا» قهرها الحب والفقد، والشوق لحبيبها كارل، بعد أن فصلت الحرب الغادرة بينهما، فاختطفت منها حبيبها الرهيف الإحساس، وغيبته في هاوية لا رجوع من دوامتها، وظلت محتفظة بعهده، منتظرة عودته، رغم أن جنديا معاديا أكرهها على منحه جسدها، الذي كانت تود الاحتفاظ بنقائه لحبيبها، فارتمت في فخاخ الخطيئة حفاظا على حياتها، وحياة أقاربها المدنيين، لتقرر عقب نهاية المجازر الحربية، وخسارة هتلر، الخروج متذرعة بمهمة إنسانية في ليبيا، لجمع جثث المقاتلين الهالكين ودفنهم بما يليق بتضحياتهم من أجل الوطن، وصونا لذكراهم، رغبة منها في العثور على حبيبها حيا أو ميتا.



