السوريون يتمسَّكون بانتمائهم ويقلبون المعادلات عبر صناديق الانتخابات

بقلم/محمّد نادر العمريم…
في ظلّ التطوّرات المتسارعة والمترابطة التي تشهدها المنطقة الإقليمية، ووسط تبدلات في مواقف بعض الدول التي كانت تشكّل رأس حربة في استهداف محور المقاومة عموماً، وسوريا بشكل خاص، شهدت بعض الدول الإقليمية والدولية مشاركة السوريين في التعبير عن ممارسة حقوقهم الدستورية، عبر توجههم نحو مقرات بعثاتهم الدبلوماسية للاقتراع المتمثل بانتخاب رئيس الجمهورية المقبل.
تميَّزت هذه المشاركة بعدّة سمات من شأنها أن تحمل العديد من المؤشرات التي يمكن البناء عليها خلال الفترة القادمة، ما جعل مشاركة السوريين في الخارج بهذه الصورة والفاعلية الواسعة والمقبولة إلى حد كبير – وفق معايير المشاركة الطبيعة بالمقارنة مع الدول الأخرى – تحتلّ أهمية ربما تتجاوز أهمية مشاركة المواطنين السوريين في الداخل لعدّة أسباب، أبرزها:
أولاً: منذ بداية الحرب على سوريا، كان هناك مخطط واضح وملموس يتضمّن تهجير الكثير من السوريين من بلادهم لأهداف متعددة يراد منها، أولاً وأخيراً، استهداف سوريا الدولة والشعب، بما في ذلك استثمار المواطنين السوريين في الخارج لتحقيق خرق في الاستحقاقات الدستورية، وفي مقدمتها الانتخابات الرئاسية، سواء من خلال حجزهم في المخيَّمات وحرمانهم من المشاركة في التعبير عن حقوقهم، كما فعلت تركيا وألمانيا، أو من خلال إغرائهم بامتيازات التجنيس أو الرفاهية في الدول الأوروبية، أو عبر تزييف الحقائق ومنعهم من العودة إلى بلادهم.
من هنا، تنبع الأهميَّة الأولى لهذه المشاركة، والتي يمكن القول إنَّها أسقطت ذرائع الدول التي تستضيف السوريين في الخارج، للضغط على الدولة السورية والقول إنَّ هؤلاء هاربون من بلادهم، ولا يريدون العودة إليها.
ثانياً: منذ أكثر من عام ونصف العام، وتحديداً منذ شباط/فبراير 2020، أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عبر مبعوثها السابق جيمس جيفري أنها لن تعترف بشرعية الانتخابات الرئاسية السورية 2021، وما لبثت أن حذت بعض دول الاتحاد الأوروبي والدول المعتدية على سوريا حذوها، تحت ذريعة اتهام الدولة السورية بإجبار مواطنيها، عبر الأجهزة الأمنية، على المشاركة في الانتخابات. وهنا، تنبع الأهمية الثانية الّتي تتمثّل بحرية المشاركة الطوعيّة والديمقراطيّة الوطنيّة، والتي دفعت السوريين في الخارج إلى الاقتراع، وهي أيضاً ما يعكس زيف الاتهامات التي توجهها الدول المعتدية إلى سوريا، في محاولة منها لعدم الاعتراف بشرعية الانتخابات ونتائجها.
لا يمكن لأيّ نظام سياسي في العالم أن يجبر مواطنيه على المشاركة في الانتخابات في عدد لا يُستهان به من الدول، ولا يمكن لأي جهاز أمني في العالم أن يدفع عشرات الآلاف إلى الزحف بالشكل الذي شهدناه في لبنان للمشاركة في الانتخابات، ولا يمكن لأي جهة حكومية أو غير حكومية إجبار كل الفئات العمرية، من الشباب وكبار السن، والذكور والإناث، وأصحاب الأمراض الجسدية الذين يعانون فقدان أجزاء من أعضاء جسدهم، والذين يلجأون إلى الأدوات الطبية كي يتمكّنوا من الحركة، على أن يشاركوا في الانتخابات في الخارج، كما لاحظنا في الصور التي شاهدناها في وسائل الإعلام.
الإنجاز الكبير الذي حققته وسائل الإعلام السورية في تغطية كل المراكز الانتخابية في الخارج، وبالإمكانيات المتواضعة، وعبر وسائل متعددة، وتعاون البعثات الدبلوماسية والقنصلية مع ذلك، شكَّل صفعة حقيقة لمعظم عواصم العالم الكبرى التي صُدمت بحجم المشاركة.
ثالثاً: بعض الدول، وخصوصاً النظامين التركي والألماني وغيرهما، لم تسمح للسوريين بالتعبير عن حقوقهم الدستورية، وقامت بمصادرة هذه الحقوق، وهو ما يشير إلى خشية ألمانيا وتركيا على حد سواء من أن يسارع السوريون نحو المشاركة الواسعة، وهو ما سيحرج نظاميهما أمام الرأي العام الداخلي، ويرفع الأصوات فيهما للسّماح للسّوريين بالعودة إلى بلادهم وعدم الاستثمار بهم لتحقيق أهداف سياسية، وهو ما سيفقد النظامين ميزات استثمار مقدرات السوريين الفكرية والمالية والعلمية والطاقوية والاستفادة منها، ويمنح المعارضة الداخلية في هذه الدول أيضاً ورقة قوة واستثمار في الانتخابات المقبلة ضد الأنظمة القائمة في هذه الدول.
رابعاً: تأخّر فرنسا في السّماح للسوريين بالمشاركة في سفارة بلادهم في الانتخابات يشير إلى الضغوط التي مارستها واشنطن عليهم من جهة، وإلى احتمال تغيير المواقف تجاه الأزمة السورية بشكل تدريجيّ من جهة أخرى، في ظلّ الدور الذي تقوم به روسيا في هذا السياق.
خامساً: اتخاذ الكثير من الدول – الَّتي تدَّعي الديمقراطية وتتحدَّث عما تدَّعي أنّه معاناة السوريين ودفاعها عنهم – قرار منع إجراء الانتخابات في السفارات السورية في أراضيها، يسقط أقنعة الديمقراطية وحقوق الإنسان التي ترفعها هذه الدول، ويؤكد مرة جديدة أن الشعارات البراقة، مثل حقوق الإنسان والديمقراطية، لم تكن بالنّسبة إلى هذه الدول إلا بمثابة “حصان طروادة” للتدخّل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
سادساً: يُلاحظ من خلال ما شهدته الانتخابات الرّئاسية الحاليّة في الخارج أن الكثير من الدول سمح للسوريين، للمرة الأولى منذ بدء الحرب على سوريا، بالمشاركة في الانتخابات، وهو ما يحمل دلالة على تغير المواقف واحتمال تغير المسارات بعد الانتخابات، وخصوصاً أن هذه الدول بدأت تنزل من أعلى الشجرة بعد إدراكها فشل مشروع إسقاط الدولة السورية.
سابعاً: النقطة الأبرز والأهم هي أن المشاركة السورية في الخارج في هذه الانتخابات الدستورية تعبّر في الدرجة الأولى عن تمسّك السوريين بانتمائهم الوطني، وعن رغبتهم في الدرجة الثانية في العودة إلى بلادهم، وإيمانهم في الدرجة الثالثة بالحفاظ على حقوقهم وواجباتهم، ورغبتهم في الدرجة الرابعة في المساهمة والمشاركة بصنع مستقبل سوريا المتجدّدة، وإعلان نصرهم بانتصار سوريا وإرادتها وسيادتها التي تعبّر عن إرادتهم في الدرجة الخامسة.



