“شمس تبريز” سيرة صوفية مطعمة بمرارة الواقع المعاش في عهد الدكتاتورية الصدامية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد وجدان عبدالعزيز ان رواية “شمس تبريز” للكاتب احمد الشطري هي سيرة صوفية مطعمة بمرارة الواقع المعاش في عهد الدكتاتورية الصدامية في رحلة بين الحقيقة والوهم.
وقال عبد العزيز في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي) :يحاول الكاتب احمد الشطري في روايته (شمس تبريز) الصادرة عن دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع/الطبعة الاولى 2020م اضافة شيء جديد في عالمه الابداعي، والذي امتاز كونه شاعر من شعراء الرومانسية الناعمة، ثم انه استطاع بعدة مقالات ابراز قابلياته في النقد، واثبت قدرة لايمكن الاستهانة بها، واليوم يطالعنا برواية لاشك نحسبها على انها من روايات السيرذاتية، والابداع في مجال اللغة،كما يتبدى لنا مادته اللغة ومجاله الخطاب، ومؤكد ان جمالياته ترتهن بقدرة الكاتب على انتاج نص متميز.
واضاف :من هنا نجد الكاتب الشطري قد كتب رواية فيها من الذاتية وفيها من الموضوعية بمزيج اثمر عن سردية مشاهدية تعثرت حينا ونهضت احيانا أخرى، فرواية السيرة الذاتية، هي شكل من أشكال الرواية باستخدام تقنيات سيرة ذاتية خيالية، أو دمج عناصر السيرة الذاتية والخيالية، ومؤكد هذا الاسلوب له اختلاف بتداخله مع ماهو خيالي، لأن رواية السيرة الذاتية هي جزء من الخيال، ولا يطلب المؤلف من القارئ أن يتوقع تحقيق النص كميثاق يتحدث عن السيرة الذاتية، لذا غالبا ما يتم تغيير الأسماء والمواقع ويتم إعادة إنشاء الأحداث لجعلها أكثر دراماتيكية، ولكن القصة لاتزال تشبه إلى حد كبير حياة المؤلف، في حين يتم سرد الأحداث من حياة المؤلف، ويستمر هذا المزيج، حيث يرتهن نجاحه بقدرة الكاتب على ادارة الاحداث وجعلها بعيدا عن الواقعية المباشرة، وكما اظن ان الكاتب الشطري اظهر شغفا في تتبع سير الصوفية ومحاولة الاستغراق في معارفهم الاشراقية، ولاسيما شمس الدين التبريزي، وهو عارف وشاعر متصوف كتب جل شعره بالفارسية، وهو شافعي المذهب، يُنسب إلى مدينة تبريز يُعتبر المُعلم الروحي لجلال الدين الرومي (مولانا) .
وتابع : كتب ديوان التبريزي (الديوان الكبير)، الذي كتبه في مجال العِشق الإلهي، قام برحلات إلى مدن عدة منها حلب وبغداد وقونية ودمشق، ومن هذا المسار خطط الكاتب الشطري ان يعيش هذه الاجواء في روايته (شمس تبريز)، فعنده (الحياة تكتمل بوجود المتناقضات معاً: السعادة والحزن، الراحة والألم، المعرفة والجهل، الصدق والكذب، الاخلاص والخيانة)، وكانت هذه المتناقضات هي التي رسمت له مساحة سردياته بمذاق التنوع، الذي اضفى على الاحداث نوع من انواع المتعة والتشويق، لولا ان الكاتب قد وقع في فخ الاعادة بالاحداث، واحياناً محاولا اضافة احداث لاتخدم مسار الحدث الرئيسي، وكانت لغته رائقة وشفافة جدا لاشك في ذلك، وبقي بطل الرواية شغوفاً بعالم الكتب والتدوين منذ نعومة اظفاره، وبقيت كلماته ترقص على نغم الحب والعشق ورشاقة الحرف، كونه شاعرا، قد شاهد في صباه الكثير من الافلام الرومانسية، اضافة لقراءته للروايات العاطفية، حيث حركت في داخله شهوة امتلال الجسد، وهذا ما يتعارض مع التوجه الصوفي، الا ان مسار أحداث الرواية تذهب الى اجترار سير الصوفية، ولاسيما ان الرواية حملت اسم (شمس تبريز) نسبة الى الصوفي والشاعر المعروف شمس الدين التبريزي، ولكن مع هذه السير الصوفية طعمها الكاتب بشيءٍ من مرارة الواقع، الذي عشناه في عهد الدكتاتورية، حينما كانت تحسب علينا علاقاتنا وانفاسنا، ثم التخلص منها والانطلاق الى مساحات من الحرية والسفر.
واستطرد:وكما قلت عاش الكاتب كونه هو بطل الرواية، اي انه عاش حالات سير الصوفية ومحاولة استثمارها في الاستغراق وحالات العشق، حينما كان يافعا وقراءة ديوان ابن الفارض، لكنه سرعان ما يلتقي في التسعينات على الحلاج والبسطامي وابن عربي والسهرودي وفي مطلع الالفين يتعرف على ابن الرومي وشمس الدين التبريزي، وكانت تشغله حالة العشق بين ابن الرومي وشمس الدين التبريزي، فتشاء الاقدار ان يسافر الى ايران بعد سقوط النظام السابق وفتح نوافذ السفر، وكان همه الاطلاع على اثار التبريزي، وتجري الاحداث فيصاب الراوي بحادث دهس سيارة داخل ايران في الطريق بين قم وتبريز ويغيب عن الوعي ويفقد الذاكرة، الا انه بعد ان يستعيد الوعي يرجع لمذكراته التي كتبها في فترة فقدان الوعي، فتكون هذه بمثابة الوثيقة التي تفك رموز الرواية، فهو قد غاب عن الوعي، او فقد ذاكرته سبع من السنين، حيث يقول: (كانت لحيتي كثة، وملابسي غريبة).
واوضح : وتدور الاحداث وعن طريق السفارة العراقية في طهران يرجع للوطن ولمدينته، (وكانت قد احتفظت بحقيبتي التي جلبتها معي في خزانة ملابسي بعد ان افرغتها مما كان فيها الا من ذلك السجل الذي انستني اياه المشاغل الكثيرة)، فيكون السجل الوثيقة التي تربط الاحداث مع بعضها في الرواية، وبين الوعي واللاوعي تكون الاحداث، التي تتركز على حبه للقراءة وشغفه بسير الصوفية، وكذلك اثناء الوعي حيانا يعيش الاحلام، فكانت تقنية الرواية تقوم على الاسترجاع واجترار الاحداث، وهذا استطاع الكاتب الشطري ان يضيف الى مسيرته الابداعية روايته الاولى (شمس تبريز)، وقد نتطلع الى كتابة سردية اخرى له يكشف من خلالها امكانيته الابداعية في مجال السرد.



