اخر الأخبار

محامٍ يسرد ذكريات مطوية من الملك فيصل الأول

 

ابراهيم الواعظ (1893 – 1958) من رجال المحاماة والقضاء. انتخب نائبا عن الحلة في دورتين 1930 – 1937 شارك في مؤتمرات الدفاع عن الحق العربي في فلسطين المؤتمر الاسلامي 1931: مؤتمر بلودان 1937 والمؤتمر البرلماني العربي في القاهرة 1938.

انتخب سكرتيرا لنادي الاتحاد العربي فرع العراق 1944. تقلد في المناصب القضائية للمدة 1945 – 1958 رئاسة محكمة استئناف الموصل ورئاسة محكمة استئناف بغداد وعين رئيسا لهيئة التفتيش العدلي. اعيرت خدماته مديرا للادارة القانونية في جامعة الدول العربية 1951 – 1952. له مؤلفات تاريخية وادبية وديوان شمر مخطوط. ومن ابرز الشخصيات السياسية التي اتصل بها المرحوم ابراهيم الواعظ: الملك فيصل الاول ونوري السعيد وياسين الهاشمي ومزاحم الامين الباجه جي ومحمد رستم حيدر. وقد ضمت مذكراته المخطوطة التي اسماها “مواقف في الحياة” التي بدأ بتدوينها في 16 أيار 1956 صورا من هذه الصلات، وكتب “الواعظ” هذه المذكرات في شكل مسودة – كما هي عادته – ولم يرجع اليها ويوثقها حتى وافاه الاجل يوم 8/7/1958، اذ شغلته عن ذلك سفراته العديدة الى الخارج. وبعد مراجعتي للمخطوطة وجدت ان قسما منها ذو طابع شخصي لاقيمة تاريخية له وانحصر اهتمامي بالقسم الذي ضم مذكراته مع الشخصيات السياسية، وقد وثقت شخصياتها واحداثها.

كان اللقاء الاول مع الملك فيصل الاول يوم 20/11/1029. وقد سبق هذا اجتماع عقده المحامون مساء يوم تشييع جثمان رئيس الوزراء المنتحر “عبد المحسن السعدون” للمداولة في سبل تخليد “ذكراه” ومنها اقامة حفل تأبين في يوم الاربعين تحت رعاية الملك. واسفر الاجتماع عن انتخاب لجنة برئاسة محمد زكي وعضوية ابراهيم الواعظ وشفيق نوري وعبد العزيز السنوي وعلي محمود الشيخ علي ونجيب الراوي. وانتدبت اللجنة اربعة من اعضائها. هم: ابراهيم الواعظ وشفيق نوري وعبد العزيز السنوي ونجيب الراوي لمقابلة الملك وعرض الاقتراح عليه واتفقوا على ان يكون الواعظ هو المتحدث باسم اللجنة.

وحين حظيت الهيئة بمقابلة الملك التمس الواعظ منه ان يشمل حفل التأبين برعايته فاجاب الملك شاكرا وانه اناب عنه رئيس الوزراء ناجي السويدي لحضور الحفل، ثم قال (ارجو ان يكون الخطباء والشعراء في هذا الحفل اقل تحمسا بالنظر لما بيننا وبين الحليفة الحكومة البريطانية من عهود ومواثيق) فرد الواعظ (عفوا – يا صاحب الجلالة – ان العراقيين اعرف بالسياسة من غيرهم وان حفل التأبين لا يكون حفلا يكرم به الميت انما هو ثورة على السياسة البريطانية الغاشمة التي اتبعتها من يوم دخولها الى بلادنا الى يومنا هذا. ونحن اذا ما طالبنا بحقوقنا فانما نطالب بحق اقزه الانكليز انفسهم اذ قالوا “جئنا الى بلادكم محررين لا فاتحين” فاين اعمالهم من اقوالهم ) وعند ذاك اشار الملك على اعضاء الهيئة بالجلوس وباشر يتكلم مستعرضا مواقف الحلفاء منه وكيف تخلت بريطانيا عنه وفقد عرش سوريا ولما تمض سنتان على الحكم العربي في سوريا، اذ زحف الجنرال الفرنسي “غورو” على دمشق واحتلها وارغمه على مغادرتها تطبيقا لمعاهدة “سايكس – بيكو”، وانه قبل عرش العراق ليأخذ بيده ويبذل الجهد لرفع الانتداب عنه وجعله بلدا مستقلا مؤهلا لعضوية “عصبة الامم”، وانه مع تقديره لمشاعرهم الوطنية يرى ان التعامل مع الدولة المنتدبة بالعنف والتحدي لايؤلد الا تصلبا وتعسفا وان سياسة المراحل تؤتي ثمارها بالنتيجة، والهدف واحد، وخرج المحامون الاربعة الشباب من عند “فيصل” وهم اشد اصرارا على جعل حفل التأبين مظاهرة سياسية. وكان الحفل، وانبرى الزهاوي والرصافي والاثري والقشطيني ينددون في قصائدهم بالانتداب البريطاني.

وحين دعي الواعظ، وكان نائبا في مجلس النواب، مع لفيف من الشخصيات العراقية لحضور المؤتمر الاسلامي المنعقد في بيت المقدس (كانون الاول / 1941) طلب مقابلة الملك. ويحدثنا عن هذه المقابلة فيقول: (قصدت البلاط لمقابلة الملك للاستئذان بالسفر ولما قابلته شكرني على الزيارة وطلبت منه الارشاد. فقال – انني مطمئن منك فلا تحتاج الى الارشاد ، وودعته وخرجت). ثم يحدثنا الواعظ عن نشاطه الدعائي خلال سفرته على هامش المؤتمر قائلا (سافرت الى فلسطين وعند مروري ببيروت قابلني مراسل جريدة “النهار” اللبنانية وادليت بحديث اشدت فيه بالملك فيصل وما قام به من خدمات، وان المعاهدة التي صدقها البرلمان العراقي بين دولة صغيرة كالعراق ودولة كبرى كبريطانيا تعدّ خطوة نحو الاستقلال التام، وفي القدس ادليت بحديث الى جريدة مقدسية اسهبت فيه عن الحالة في العراق وتشجيع الملك فيصل للصناعات الوطنية. وقدمت للمحرر نماذج من منسوجات معمل “فتاح باشا” وبعض المنتوجات الوطنية، وتطرقت في الحديث الى المعاهدة والملك فيصل وقابلني في القدس مراسل جريدة “البلاغ” المصرية لسان حال حزب الوفد المصري وادليت له بحديث عن التقدم السريع الذي حصل في العراق. وتطرقت الى المعاهدة وان “النحاس باشا رئيس حزب الوفد المصري” بارك نوري السعيد” على هذه المعاهدة، وعند عودتي الى العراق قصدت البلاط لمقابلة الملك فاستقبلني واجلسني بجانبه وقدمت له وصفا لسفرتنا وما قمت به من خدمة لجلالته. فقال اعرف ذلك واطلعت عليه واني اشكرك يا ابراهيم. ثم قمت مودعا فوضع يده على كتفي ومشى معي حتى باب الغرفة فودعته وخرجت).

وعندما اثيرت قضية “الرسائل السرية” 1931، وكانت هذه الرسائل قد وزعت بالبريد وتضمنت طعنا في الملك وبعض الشخصيات السياسية، اتهم وزير الداخلية “مزاحم الامين الباجه جي” بان له ضلعا فيها، وعلى اثر ذلك قدم رئيس الوزراء “نوري السعيد” استقالته واعاد تشكيل الوزارة بدون مزاحم وحل محله ناجي شوكة وزيرا للداخلية، ويتحدث الواعظ عن ذيول القضية ومناصرته لمزاحم تحت قبة البرلمان ووكيلا عنه في ساحة القضاء: (اقتضى الامر رفع الحصانة النيابية عن مزاحم لتقديمه للمحاكمة وقررنا ان يقدم مزاحم استقالته من المجلس قبل قرار رفع الحصانة وقد اثيرت ضجة في مجلس النواب كنت بطلها، اذ تخلى “جميل المدفعي” عن الرئاسة لنائب الرئيس واخذ يهاجني مع العديد من النواب وبقيت وحدي مدافعا، وقبل دخولي الجلسة وكنت في غرفة الاستراحة مع عدد من النواب جاء “رستم حيدر” – وكان يومئذ وزيرا للمالية – وخاطبني قائلاً (ما هذه التصرفات من مزاحم؟ انت الذي سببت هذه الضجة) فقلت له: (الزم حدك واذا لم تخرج من هذه الغرفة اهنتك) فخرج. ويستطرد الواعظ (وعلى اثر ذلك طلبت من “تحسين قدري” رئيس التشريفات الملكية تحديد موعد لمقابلة الملك على شرط ان لاتكون المقابلة في البلاط.

وحدد الموعد في “قصر الحارثية” فذهبت في الموقع المعين ولم اجد هناك سوى المرافق ودخلت على الملك فوجدته واقفا بانتظاري وطلب مني الجلوس فقلت “لا اجلس حتى تؤمن لي ان اتكلم ما اريد” فاجابني “لك ذلك” فقلت “يا صاحب الجلالة ان قضية مزاحم الباجه جي امام المحكمة وان المحكمة يرأسها (المستر لوئيد) الحاكم البريطاني واني كمحام اجد ان الحاكم مفرض في هذه القضية واخشى من الظلم على الابرياء. وان هناك تزويرا يحاك في الوزارات واخشى ان يؤثر ذلك في القضية ويزهق الحق”.

وحين تطرقت الى الوزارات قال الملك (الا رستم حيدر)! فقلت له (انا قصدت من الوزارات الوزارة التي يشغلها رستم حيدر، ان التزوير يا سيدي يحاك في وزارة المالية وتحت اشراف رستم حيدر، وان رستم – يا صاحب الجلالة – سيمثل دور “العلقمي”، وسيقضي على العرش بالدسائس التي يدبرها والتفرقة التي يبثها. فيا سيدي انت الوازع في هذا البلد وانت المسؤول امام الله وامام الناس فلا تدع لهؤلاء الهدامين سبيلاً. ولا تعتقد ان كلامي هذا في شيء من التلفيق فكل ما عرضته هو واقع وعليه دلائل وبراهين، فائق الله – يا صاحب الجلالة – في رعيتك” . واني اقول لك ان من اصدق الناس لك ولعرشك نوري السعيد ومزاحم الباجه جي، والله يتولى هدانا وهداك، واستودعك الله، وسلمت عليه وخرجت ولم يئبس بكلمة واحدة).

وعلى اثر هذه المقابلة العاصفة يتحدث الواعظ عن مقابلة اخرى: (كان المرحوم جميل قفطان مرافقا للملك فيصل وقد وقعت بيدي وثائق هامة حصلت عليها منه تثبت ما قلته للملك في مقابلتي الاولى عن الدسائس التي تحاك ضد العرش).

ويحدثنا الواعظ عن لقاء آخر مع الملك: (في سنة 1931 كنت نائبا في البرلمان وحضر الى داري ثلاثة من رجال الدين وقال احدهم – اننا حضرنا لأمر يخص الاسلام، فاحضر مصحفا ومسدسا، وعندا احضرتهما قال: (احلف بهذا القرآن انك ستكتم ما نبديه لك واذا وافقت عليه ونكلت ستنال جزاءك بهذا المسدس) فحلفت لهم فقال احدهم (لدينا مشروع هو مطالبة الحكومة بفصل دائرة الاوقاف عن الدولة واناطة ادارتها الى هيئة اسلامية كما هو الحال في فلسطين وسوريا ولبنان وقد وقع اختيارنا عليك كرجل قانون لوضع نظام لهذه الهيئة) وقد وافقت على ذلك. ويشاء الملك ان يدعو قسما من النواب للافطار وكنت من جملتهم، وبعد الافطار اخذ المعدوون يسلمون على الملك، فلما جاء دوري لمصافحته اشار علي بان اقف خلفه، وبعدما فرغ النواب والوزراء من السلام وبقيت والملك وحدنا اخذني الى غرفة صغيرة وبادرني قائلا: (ما هذه الجمعية التي قررتم تأسيسها)؟ فعلمت ان احد الثلاثة قد وشى بنا. وكان من حسن المصادفة ان مسودة النظام كنت احملها في جيبي فقلت (ياسيدي ليس هناك جمعية تخفي عليك، انما اجتمع بعض العلماء وطلبوا مني اعداد نظام يقدمونه للحكومة ويطلبون فيه اجازة لتأسيس الجمعية) ثم اخرجت النظام وقدمته للملك وبعد ان اطلع عليه اعاده لي قائلا “لا تعتمد على هؤلاء فانهم غير صادقين بما يقولون وربما يتخذونك سلما للوصول الى مآربهم الشخصية) فاجبته بالايجاب وودعته!). وعن اللقاء الاخير مع الملك فيصل الاول يحدثنا الواعظ: (بعد ان دخل العراق حضيرة عصبة الامم 1932 دعا النائب (داود الحيدري) اقطاب حزب العهد: نوري السعيد وجعفر العسكري ورستم حيدر وعارف حكمة وسلمان البراك وغيرهم وكنت من ضمن المدعوين. وتكلم الداعي عن فضلا لملك فيصل على العراق ودخوله عصبة الامم واقتراح تقديم هدية للملك وبعد المداولة تقرر جمع التبرعات لاقامة تمثال للملك تخليدا لخدماته للعراق وقد اختار المجتمعون كلا من سلمان البراك وعارف حكمت وابراهيم الواعظ لعرض الاقتراح على الملك. وعند حضورنا للبلاط قرر الممثلون ان اكون المتكلم عنهم. ولدى مثولنا وترحيب الملك بنا قلت: (يا سيدي ان رجال حزب العهد قرروا اقامة تمثال لجلالتكم تخليدا لخدماتكم الجليلة للعراق واخرها ادخاله عصبة الامم والله نسأل ان يحفظكم للعراق لتتموا رسالتكم ويتمتع الوطن بحريته واستقلاله).

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى