اخر الأخبار

الملل والنحل.. بحث في الأبعاد وأسباب النشوء

هحخهج

الملّة بمعنى الطريقة المقتبسة من الغير،يقول سبحانه:”بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً”،وأمّا النِّحلة فهي بمعنى الدعوى والدين، ولكن تُستعمل كثيراً في الباطل،يُقال: انتحال المبطلين.وفي المصطلح: المناهج العقائديّة لأُمّة خاصّة أو جميع الأُمم، سواء كانت حقّاً أم باطلاً.

الصلة بين علم العقائد وعلم الملل والنحل

إنّ علم الكلام يبحث عن المسائل العقائديّة الّتي ترجع إلى المبدأ والمعاد، ويوجِّه عنايته إلى إثبات فكرة خاصّة في موضوع معيّن، ولكنّ علم الملل والنِّحل يسرد المناهج الكلاميّة وعقائد الأقوام دون أنْ يتحيّز إلى منهج دون آخر، وهمّه عرض هذه الأُسس الفكريّة على روّاد الفكر والمعرفة، فنسبة هذا العلم إلى علم العقائد نسبة تاريخ العلم إلى نفس العلم.

تعريفه وغايته

إنّ علم الملل والنِّحل كسائر العلوم له تعريف وموضوع ومسائل وغاية.

أمّا تعريفه: فهو العلم بتاريخ نشوء المذاهب والديانات عْبر القرون ومقارنتها مع بعض.

وأمّا موضوعه: فهو عقائد الأُمم، ويُعبَّر عنه بالملل والنِّحل.

وأمّا مسائله: فهي الاطّلاع على آراء أصحاب الديانات.

وأمّا غايته: فتتّحد غايته مع تاريخ العلوم على وجه الإطلاق، وهي إعطاء البصيرة للمحقِّق الكلاميّ في نشوء العقائد واشتقاق بعضها من بعض.

المصنّفات في الملل والنِّحل

إنّ ما كُتب في هذا المجال على قسمين: قسمٌ منه يتناول جميع أديان البشر أو أكثرها. وقسمٌ منه يختصّ بالفرق الإسلاميّة.

أـ القسم الأوّل

1- “الآراء والديانات”: تأليف حسن بن موسى النوبختي (المتوفّى سنة‏ 298 هـ).

2- “المقالات”: تأليف محمّد بن هارون الورّاق البغدادي (المتوفّى‏ سنة 347 هـ).

يصفه النجاشيّ بقوله: كتاب كبير، حسن، يحتوي على علوم كثيرة، قرأت هذا الكتاب على شيخنا أبي عبد الله .

3- “أُصول الديانات”: لأبي الحسن عليّ بن الحسين المسعودي (المتوفّى‏ عام 345 هـ) صاحب مروج الذهب.

4- الفصل في الملل والنِّحل لابن حزم الظاهري (المتوفّى‏ عام 456 هـ).

5- الملل والنِّحل لأبي الفتح محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني (479- 548 هـ)

ب ـ القسم الثاني

1- “مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلِّين”: تأليف شيخ الأشاعرة أبي الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري (260- 324 هـ).

2- “التنبيه والردّ”: لأبي الحسين الملطي (المتوفّى‏ عام 377 هـ).

3- “الفَرق بين الفِرق”: تأليف الشيخ عبد القاهر البغدادي التميمي (المتوفّى‏ عام 429 هـ).

4- “التبصير في الدين”: للطاهر بن محمّد الاسفرايني (المتوفّى‏ عام 471 هـ).

5- “فِرق الشيعة”: تأليف الشيخ أبي القاسم سعد بن عبد الله القمّي (المتوفّى عام‏ 299 هـ). وربّما يُنسب هذا الكتاب إلى حسن بن موسى النوبختي.

الفرق الإسلامية

لبّى‏ النبيُّ (صلى الله عليه واله وسلم) دعوة ربّه وانتقل إلى جواره وترك لأُمّته ديناً قيِّماً،يمتاز بصفات من أبرزها بساطة العقيدة ويُسر التكليف. كما ترك من بعده منارات يُهتدى بها وهي: كتاب الله العزيز”تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ”،وسنّته الوضّاءة المقتبسة من الوحي السليم من الخطأ،وعترته الطاهرة(عليهم السلام) وهم قرناء الكتاب.

وكان الجدير بالمسلمين التمسّك بالعروة الوثقى وتوحيد الكلمة في عامّة المواقف،ولكنْ – مع الأسف – ظهرت بينهم فِرَقٌ ومذاهب يختلف بعضها عن بعض في جوهر الإسلام وأُصوله.

علل تكوّن الفرق

أـ الاتجاهات الحزبيّة والتعصّبات القبليّة

إنّ أعظم خلاف بين الأُمّة هو الخلاف في قضيّة الإمامة،وما سُلَّ سيفٌ في الإسلام وفي كلِّ الأزمنة على قاعدة دينيّة مثلما سُلَّ على الإمامة.ومع أنّ الرسول(ص) لم يترك الأُمّة سدى،بل نصب خليفة وإماماً للمسلمين يقوم بإدارة الأمة بعده – وإنْ لم يكن نبيّاً – لكنْ اجتمع نفرٌ من الأنصار في سقيفة بني ساعدة قبل تجهيز النبيِّ(ص) ومواراته ثمّ التحق بهم نفرٌ من المهاجرين لا يتجاوز عددهم الخمسة،فكثُر الاختلاف والنزاع بينهم،فكلُّ طائفة كانت تُحاول جرّ النار إلى قرصها،فيقول مندوب الأنصار رافعاً عقيرته:يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست في العرب،إلى أنْ قال: استبدّوا بهذا الأمر دون الناس.وقال نفرٌ من المهاجرين:من ذا الّذي يُنازع المهاجرين في سلطان محمّد وإمارته وهم أولياؤه وعشيرته.فشكّلت المناشدة في السقيفة الحجر الأساس للتفرُّق وانثلام الكلمة ونسيان الوصيّة الّتي أدلى‏ بها النبيُّ(ص) في غير واحد من المواقف ومنها يوم الغدير.

ب: منع تدوين الحديث

منع الحكام الثلاثة ومن سار على نهجهم بعد رحيل رسول الله (ص) كتابة الحديث وتدوينه،بل الإخبار عنه(ص) إلى أواخر القرن الأوّل،مع أنّ حديث الرسول عِدْل القرآن الكريم،فالقرآن وحيٌ بلفظه ومعناه،وسنّته‏ وحيٌ بمعناه لا بلفظه.وقد اعتمدوا في منع كتابة السنّة ونشرها على روايات موضوعة مخالفة للكتاب والسنّة الثابتة.وقد ترك هذا المنع آثاراً سلبيّة أقلّها حرمان الأُمّة من السنّة النبويّة الصحيحة قرابة قرن ونصف،ممّا أدّى إلى نشوء مذاهب فقهيّة كانت سبباً مساعداً على تكوّن الفرق الإسلاميّة،وبروز الخلاف بين المسلمين،ثمّ بعد مضيّ هذه المدة الزمنيّة ظهر الوضّاعون والكذّابون بين المسلمين،فروَوا وأسندوا للرسول(ص) ما شاؤوا وما أرادوا مما لم ينزل الله به من سلطان،وصارت هذه الحيلولة سبباً لازدياد الحديث حتّى أخرج محمّد بن إسماعيل البخاريّ ما يسمى بصحيح البخاري عن ستمئة ألف حديث،وأين حياة الرسول(ص) المليئة بالأحداث من التحديث بهذا العدد الهائل من الأحاديث؟!،ولذلك أبعد البخاري كثيراً من الأحاديث التي تبين أن الحق في أهل البيت(ع) ورغم ذلك لم يخلُ صحيحه من إدانة واضحة وبالدليل الصحيح لمن تبع منهجاً غير منهج أهل البيت(ع)،وقد أخرج البخاري من هذا الكم الهائل من الأحاديث ما يُقارب ألفين وسبعمئة وواحداً وستين حديثاً،ولا يقلّ عنه صحيح مسلم وكتب السنن الأخرى.

ج: فسح المجال للأحبار والرهبان

إنّ الفراغ الّذي خلّفه المنع عن نقل أحاديث الرسول(ص) أوجد أرضيّة مناسبة لتحديث الأحبار والرهبان عن العهدين، فصاروا يُحدِّثون عن الأنبياء والمرسلين(ع) بما سمعوه من مشايخهم أو قرؤوه في كتبهم.يقول الشهرستانيّ:وضع كثير من اليهود الّذين اعتنقوا الإسلام أحاديث متعدِّدة في مسائل التجسيم والتشبيه،وكلّها مستمدّة من التوراة(أي مما يعدوه توراة بينما هو محرف).ولو كان نشر الحديث وتدوينه وتحديثه أمراً مسموحاً لما وجد الأحبار والرهبان مجالاً للتحديث عن كتبهم المحرَّفة. ولشُغل المسلمون عن سماع ما يبثّون من الخرافات لأجل الاشتغال بالقرآن والسنّة، ولكنّ الفراغ الّذي خلّفه المنع من تدوين الحديث أعانهم على نشر الأحاديث الموضوعة واجتماع الناس حولهم،ومن قرأ سيرة كعب الأحبار،ووهب بن منبّه اليمانيّ،وتميم بن أوس الداري وغيرهم يقف على دورهم في نشر الأساطير وإغواء الحكام بها.فمن المشهور مصاحبة عثمان لكعب الأحبار وتميم الداري بعد أن فسح لهما عمر كي يتحدثا ويقصا في مسجد الرسول(ص) وقد كان المسلمون يرفضون ذلك،ففي الوقت الذي منع فيه تدوين الحديث بحجة عدم اختلاطه مع القرآن فسح المجال لليهود كي يقصوا ما يحلوا لهم من أساطيرهم التي شوهت الإسلام ونسبت التجسيم إلى الله.وحجة المنع واهية باطلة لأن عدل الكتب بنص حديث الرسول(ص) موجودون وهم أهل البيت(ع) وعلى رأسهم أمير المؤمنين(ع) وهم من يحفظ القرآن،كذلك حفظة القرآن كانوا موجودين ويميزون بينه وبين الحديث.ناهيك عن كون المسلمين يميزون جيداً بين أسلوب القرآن في الخطاب وأسلوب رسول الله(ص) في الحديث.ولكن الغاية الحقيقية لعدم تدوين الحديث هي منع انتشار أحاديث الرسول بحق أمير المؤمنين وأهل البيت(ع) من كونهم خلفاؤه من بعده وخاصة حديث الغدير.من هنا لم يقبل المسلمون الأحاديث من كعب وتميم الداري المزيفة،وشكّكوا في أهدافه،وبمجرد مقتل عثمان فرَّ تميم الى الشام وفي نفس ذلك الوقت فرَّ كعب الأحبار إليها حيث حماية معاوية السياسية والأمنية.

د:الاجتهاد في مقابل النصّ

هناك‏ عامل آخر صار مبدأ لتكوّن المذاهب الكلاميّة والفقهيّة،وهو تقديم الاجتهاد – لمصلحة مزعومة – على النصّ.إنّ الرسول(ص) قد أوصى المسلمين بعترته وشبّههم بسفينة نوح وأعلن في حشد عظيم:”يا أيّها النّاس إنّي تركت فيكم ما إنْ أخذتم به لن تضلّوا:كتاب الله،وعترتي أهل بيتي”،ومع ذلك استأثر القوم بالأمر يوم السقيفة وقضوا أُمورهم من دون مشورة أو حوار مع أهل البيت(ع)،فصار ذلك سبباً لظهور مذاهب فقهيّة مبنيّة على تقديم المصلحة المزعومة على نصِّ النبيِّ(ص)،وعلى هذا الأساس منعوا من متعة الحجّ ومتعة النساء وتوريث الأنبياء(ع) إلى غير ذلك من الآراء الفقهيّة المناقضة للسنّة النبويّة،كما أحدثت مذاهب كلاميّة لأجل الاستبداد بفكرهم من دون عرضها على الكتاب والسنّة.

هـ: سوء الفهم والّلجاج في تحديد الحقائق

ثار أهل العراق والحجاز ومصر على عثمان نتيجة إيثاره لبني أميّة في المناصب والعطاء وبسبب الأحداث المؤلمة الّتي ارتكبها عمّاله في هذه البلاد وانتهى‏ الأمر إلى قتله ونهوض الإمام عليّ(ع) بأعباء الخلافة،فقام (ع) بعزل الولاة آنذاك عملاً بواجبه أمام الله سبحانه وأمام المبايعين له،غير أنّ معاوية الّذي عرف موقف الإمام عليّ(ع) بالنسبة إلى عمّال عثمان رفض قرار العزل ورفض بيعة الإمام(ع)،ونجم عن ذلك حرب صفّين بين جيش الإمام عليّ(ع) وجيش معاوية، فلمّا ظهرت بوادر النصر لصالح الإمام(ع) وجيشه إلتجأ معاوية وحزبه إلى خديعة رفع المصاحف والدعوة إلى تحكيم القرآن بين الطرفين،فصار ذلك نواةً لحدوث الاختلاف في جيش الإمام(ع)،وقد أمر الإمام بمواصلة الحرب وقام بتبيين الخدعة،غير أنّ الظروف الحاكمة على جيش الإمام ألجأته إلى وقف الحرب وإيلاء الأمر إلى الحَكَمين وإعلان الهدنة.ومن عجيب الأمر أنّ الّذين كانوا يُصرُّون على إيقاف الحرب ندموا على ما فعلوا،فجاؤوا إلى الإمام يُصرُّون على نقض العهد،غير أنّ الإمام وقف في وجههم لما يتضمّن اقتراحهم من نقض العهد،وعند ذلك ظهرت فرقة باسم المحكِّمة حيث زعموا أنّ مسألة التحكيم تُخالف قوله سبحانه:”إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلهِ”،وقد أجاب الإمام(ع) على هذه الدعوى بأنّها:”كلمة حقٍّ يُراد بها باطل”،وقد صار هذا الاعوجاج مبدأً لظهور الخوارج بفرقها المختلفة على ساحة التاريخ.

و:الاحتكاك الثقافي

التحق النبيُّ(ص) بالرفيق الأعلى وقام المسلمون بفتح البلدان والسيطرة عليها وكانت الأُمم المغلوبة ذات حضارة وثقافة في المعارف والعلوم والآداب.وكان بين المسلمين رجال ذوو دراية ورغبة في كسب العلوم وتعلُّم ما في هذه البلاد من آداب وفنون، فأدّت هذه الرغبة إلى المذاكرة والمحاورة أوّلاً، ونقل كتبهم إلى اللغة العربيّة ثانياً، حتّى انتقل كثير من آداب الرومان والفرس إلى المجتمع الإسلامي،ولا شكّ أنّ من تلك المعارف ما يُضادّ مبادئ الإسلام،وكان بين المسلمين من لم يتدرّع في مقابلها،ومنهم من لم يتورّع عن أخذ الفاسد منها،فصار ذلك مبدأً لظهور ديانات وعقائد على الصعيد الإسلاميّ عندما صَبغوا ما أخذوه من الكتب بصبغة الإسلام.هذه العوامل الستّة هي أهمّ العوامل الّتي صارت سبباً لظهور المذاهب بين المسلمين.ومن حسن الحظّ أنّ أغلب الطوائف تشترك في الأُمور الّتي بها يُناط الإسلام،وإنْ كانوا يختلفون في مباحث كلاميّة أو مسائل فقهيّة لكن الخطأ دائماً ما يقود إلى خطأ أكبر منه،فالانحراف الذي بدأ في السقيفة وصل اليوم إلى الوهابية التكفيريين الذين لا يقبلون أي مذهب أو اتجاه يخالفهم في الرأي والدين ويعدون كل من يخالفهم كافراً وما يحدث اليوم في بلدنا العراق وسوريا واليمن خير دليل على ما نقول.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى