السياسة بين التنمر والكياسة..!

قاسم العجرش
في 17/10/2019 أستحدثت في بريطانيا، جائزة جديدة للسياسي الأكثر تهذيبًا، ضمن حملة تهدف إلى تحسين السلوك، حيث يحصل الفائز على ثلاثة آلاف جنيه إسترليني. وقال اللورد ستيوارت أثناء إعلانه عن الجائزة: “هذه الجوائز محاولة متواضعة من أشخاص ناشطين في الحياة العامة – ينتمون لتوجهات سياسية شتى أو بدون توجهات -، لتضفي بريقًا على السياسيين الذين يلتزمون بقواعد الكياسة، ويستطيعون التعاون مع سياسيين من توجهات مختلفة”.
في نية البريطانيين أيضا الإعلان عن ثلاث جوائز مختلفة هي “سياسي العام” و”باني جسور التواصل في العام” و”صاحب أفضل حملة في العام”.
الحقيقة أن السياسة في العالم؛ تعاني من أزمة أخلاق خطيرة، وهي أزمة لها تداعياتها وإفرازاتها وانعكاساتها، ولها أيضا نتائجها المتمثلة بغياب الكياسة؛ وسيادة أساليب التنمر في العلاقات السياسية
الكياسة السياسية؛ مصطلح يعني اختيار العبارة المعبّرة البليغة، التي لا تثير الفرقة والنزاع، وهي أيضا انتقاء المصطلح الصائب والعبارات المناسبة، مكانا وزمانا وظرفا، لدى التعامل مع الطرف الآخر في الأداء السياسي، وهي مفهوم يتم استخدامه؛ للحد من شرعنة وتبرير خطابات الكراهية والإقصاء، الخلاصة هي مصطلح يشير إلى استخدام لغة منمقة في الكلام.
الكياسة السياسية تعني فيما تعني، أن يتجنب السياسي الوقوع في منزلقات لسانه، الذي يجب أن يربطه دائما بعقله لا بقلبه، ليتشكل مثلث ذاتي لضمان حسن القول، وصوابية المنطق..مثلث من ثلاثة أضلاع: العقل واللسان والقلب.
الكياسة السياسية تترجم عمليا؛ بفرض الانضباط الصارم على النفس من قبل السياسي، إذ عليه أن يضع نصب عينيه دائما، أنه شخصية اجتماعية، وأن سيرته بتفاصيلها الدقيقة لم تعد ملكا له، مادام منخرطا بالحقل السياسي، وهو حقل يتميز بمشاعية التكوين والمكونات والغايات والأهداف، و على هدي هذه القاعدة يسير السياسيون ليس بالضرورة بوعي منهم لما يفعلون، وإنما بالفطرة التي جُبلوا عليها كونهم سياسيين.
ثمة مصطلح آخر يقف قبالة الكياسة السياسية، وهو “التنمر السياسي” ، الذي يعني ممارسة سياسة الإقصاء والترهيب، ضد أي شخص مخالف في الرأي والرؤى والفكر والأيديولوجية السياسية، وانتشار واتساع حجم هذه الظاهرة في الوسط السياسي، يرتبط بفقدان قيمة وأهمية احترام الرأي الآخر، وبدلا من العمل بالمقولة الشهيرة “إن رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب” أصبحنا للأسف نعمل بمقولة أخرى مناقضة، وهي أن رأيي صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ لا يحتمل الصواب.
ثمة إجماع أخلاقي مقدس، حول عدم مشروعية استعمال الألفاظ البذيئة من قبل السياسيين، لكن وبكل أسف..لم يكن السيد إياد علاوي في حديثه المتلفز موفقا باختيار عباراته، وهو لكي يثبت قوته وعدم خشيته من أحد تحدى الذات الإلهية..وتطاول على شخص رئيس الوزراء بلا مسوغ يقبله المنطق، مع أن لكثير من العراقيين موقفا سلبيا من الرجل، لكن هذه المواقف يجب أن تدور مدار الأخلاق والرصانة، لقد كانت كلمات علاوي منفلتة، وتدور خارج إطار الكياسة واللباقة والاتزان. والتي يجب أن يتحلى بها كل سياسي قيادي..بل كل إنسان!
كلام قبل السلام: السيد علاوي جزء من العملية السياسية حتى قبل انطلاقتها الديمقراطية في عام 2003، وهي عملية يمكن وصفها بأنها لعبة لها قواعدها، لكن الرجل في أغلب حواراته “لا يدري”، وحينما “يدري” يقوم بكسر قواعد اللعبة، فلا لباقة ولا كياسة، ولا محاذير لغوية ولفظية في أدائه!
سلام



