المدارس الأخلاقية مقارنة بالشريعة الإسلامية

يوجد في علم الأخلاق مذاهبُ كثيرةٌ،إنحرف أكثرها،وآلَ بها الأمر إلى مُخالفة الأخلاق،ومعرفتها ليس بالأمر الصّعب وخصوصاً في ظِلّ الهدي القُرآني يقول القرآن الكريم:”وأنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفِرَّقَ بِكُم عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمُ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ”الأنعام:153.
فأتت هذه الآية،بعد ذكر قسم مهمّ من العقائد والبرامج العمليّة والأخلاقيّة في الإسلام،وقد تضمنّت عشرة أوامر إسلاميّة، جاءت لِتوصي المسلمين بأن يتحركوا في العقيدة في خط الإستقامة،بعيداً عن السّبل الاُخرى التي تورثهم الفُرقة والإنحراف،عن خطّ الإيمان بالله تعالى.والمذاهب الأخلاقيّة مثلها مِثلُ سائر المناهج الفردية الإجتماعية،فهي تستمد اُصولها من النّظرة الكليّة لمفهوم العالم،وهذان المفهومان: الأخلاق والنظرة الكونية،منسجمان ومرتبطان مع بعضهما بصورة وثيقة جدّاً،فالّذين يفصلون:”معرفة العالم”، النظريّة عن الأخلاق والأوامر والنواهي الأخلاقية للعقل العملي، وينكرون أية علاقة بينهما،إنطلاقاً من أنّ معرفة العالم والكائنات الطبيعيّة تعتمد على الدلائل التجربيّة والمنطقية،والحال أنّ “الأوامر” و”النّواهي” الأخلاقية، هي سلسلة من القضايا تحكم السّلوك،فهؤلاء أغفلوا نقطةً مهمةً،ألا وهي أنّ الأوامر الأخلاقيّة تصبح حكيمةً،إذا ما كوّنت لها علاقةً بالعالم الخارجي،وإلاّ فستكون اُموراً اعتباريةً فارغةً وغير مقبولة،ويوجد هنا أمثلةٌ واضحةٌ تبيّن المطلب بصورة جيّدة:
عندما يُصدر الإسلام حكماً بـ: “حرمة شرب الخمر” لمعرفة الخالق تبارك وتعالى بضرر الخمر في البشر،ولأنّ الحقيقة المحضة أنّ الخمر له أثر تخريبي خطر في روح وجسم الإنسان،فلا يسلم من تأثيره أيّ إنسان يشربه.ولو قيل سنشرب الخمر دون حد السكر فهذا تلبيس لأنه ما الغاية المرتجاة من شرب الخمر إن لم تكن السكر،إلا معصية الله؟!. وكيف إذا شرب الانسان الخمر وأدمن عليه يستطيع ألا يصل حد السكر،وبعدها يبدأ بقذف الناس بالكلام،الموجب للحد الشرعي للقذف؟!.لذا كان تحريم الخمر أمراً وهذه الحقيقة هي سبب لذلك النّهي.
وعندما نقول أنّ الأحكام الإلهيّة ناشئة من المصالح والمفاسد فإنّنا بالضّبط نستوحي ذلك من خلال القاعدة التي تقول: “كلّما حكم به العقل حكم به الشّرع”،وهي أيضاً تُقرر وجود علاقة وثيقة بين الواقع والأحكام:(الأوامر والنّواهي).
فما يُشرّع من قوانين في المجالس التّشريعيّة البشريّة،ودراسة عواقبها الفرديّة والإجتماعيّة ووضع القوانين على أساسها، يصب في نفس ذلك المصب بالضّبط.لكن ما لم يعرف البشر أو أغفلوا عن قصد أبعاد ضرره بالكامل نراهم يتأرجحون في الحكم عليه بين محاولة النهي عنه لا تحريمه ومحاولة عد المسألة أمراً شخصياً ليس لأحد التدخل به ،وهذا بحد ذاته طامة كبرى فالإنسان لا يمكن عزله عن المجتمع لكونه يعيش فيه ويتفاعل فيه أخذاً وعطاءً.
وخلاصة القول: أنّه من الُمحال على الحكيم أن يصدر حكماً بعيداً عن الواقعيات في حياة البشر، وإلاّ فلن يكون قانوناً بل هو لَغو في لَغو، ولأنّ الواقع هو واحد لا أكثر، فمن الطّبيعي أن يكون الطريق الصّحيح والمستقيم والقانون الأمثل واحداً لا غير،ممّا يدعونا للسّعي الحثيث لإصابة الحق والواقع والأحكام والقوانين التي نشأت عنهما.
إن ما ذُكر آنفاً يبيّن علاقة النّظريات الكليّة،في الوجود وخلق الإنسان بالمسائل الأخلاقيّة،ومن هنا فإنّ نشوء المذاهب الأخلاقيّة وتنوعها،يكمن في هذا السبب بالذات.
وبالنّظر إلى ما ذُكر أعلاه،نستعرض الآن المذاهب الأخلاقية:
الأخلاق في مدرسة الموحّدين
هؤلاء يذهبون إلى أنّ الله تعالى خالق الكائنات كلّها،فنحن منه ونعود إليه.والهدف من خلق الإنسان،هو التّكامل في الجوانب المعنويّة والروحيّة،وما دام التقدم المادي والتّطور الحضاري للبشرية،يتحرك في خطّ التكامل المعنوي،فهو يُعد هدفاً معنويّاً أيضاً. ويمكن تعريف التّكامل المعنوي بأنّه: “القرب من الله تعالى، والسّير على الطّريق الذي يقرّب الإنسان لصفات الكمال الإلهيّة”.
وإعتماداً على هذا المعيار،فإنّ الأخلاق من وجهه نظر هذا المذهب،هي كلّ الأفعال التي تساعد الإنسان في سيره على هذا الطريق،والتّقييم الأخلاقي في هذا المذهب،يدور حول القِيَم،والمُثل،والكَمالات الرّوحية والمعنويّة،والقُرب من الله تعالى.
الأخلاق المادية
من المعلوم أنّ المادّيين لهم مذاهب متعددّة، والمعروف منها الشيوعيّة، حيث يرون كلّ شيء من خلال منظار المادّة، ولا يؤمنون بالله والمسائل الروحيّة والمعنويّة، ويقولون بأصالة المادة لا حداثتها،ويعطون للتاريخ ماهيّةً ماديّةً وإقتصاديةً، فكلّ شيء يؤدي إلى تقوية الإقتصاد في المجتمع؛فانّه يعدُّ من الأخلاق وعلى حد تعبيرهم:”كلّ شيء يعجّل في الثورة الشيوعيّة، فهو أخلاق”،فمثلاً المعيار الأخلاقي للكَذب والصّدق،يقاس بمدى تأثير ذلك السّلوك الأخلاقي في الثّورة،فإذا أدّى الكذب إلى التسّريع بالثورة فهو أمر أخلاقي،وإذا أضرّ الصّدق بالثّورة،فهو أمر غير أخلاقي!.والمذاهب الماديّة الاُخرى كذلك،فكلّ مذهب يُفسّر الأخلاق حسب ما يرتئيه مسلكه، فالّذين يقولون بأصالة اللّذة، والإستفادة من اللذائذ الماديّة، لا يوجد شيء عندهم بإسم الأخلاق، وبالأحرى انّ الأخلاق عندهم الصّفات والأفعال الّتي تمهد الطّريق للوصول إلى اللذّة.
وأمّا الّذين أعطوا الأصالة للفرد والمصالح الشخصيّة،والمجتمع محترم عندهم ما دام منسجماً مع منافع الفرد الشّخصية، كما هو الحال في المذاهب الغربية الرأسمالية،فهم يفسّرون الأخلاق بالاُمور التي توصلهم إلى مصالحهم الماديّة والشخصيّة، ويضحّون بكلّ شيء لأجل هذه الغاية.
الأخلاق من وجهة نظر الفلاسفة العقليّين
أمّا الفلاسفة الذين يقولون بأصالة العقل،ويذهبون إلى أنّ غاية الفلسفة هي:”صَيرورة الإنسان عالماً عقليّاً مضاهياً للعالم العيني”،ففي مجال الأخلاق،يفسّرون الأخلاق بالصّفات والأعمال التي تساعد الإنسان على تحكيم العقل،وسيطرته على القوى والنّوازع البدنية،بعيداً عن الخضوع للشّهوات والطّبائع الحيوانيّة،والأهواء النّفسية في حركة الحياة،ومن المعروف قصور العقل البشري عن معرفة بعض الأمور والأسباب التي تؤدي لبعض التشريعات،كذلك قصوره عن معرفة أبعاد الكون والوجود لذلك فالقياس لا يجوز بالدين لأن يؤدي الى الوقوع بالتناقض في أحكام الدين.
الأخلاق في مذهب محوريّة الغير
جماعة اُخرى من الفلاسفة أعطت الأصاله للمجتمع، وقالوا إنّ الأصالة للجماعة لا للفرد،فهم يفسّرون الأخلاق بالأفعال التي يكون الغير فيها هو الهدف،وكلّ فعل يعود بالنّفع للإنسان نفسه،فهو فعل غير أخلاقي،والأفعال التي يكون محورها نفع الغير تكون أخلاقيّة.
الأخلاق في الاتجاه الوجداني
قسم من الفلاسفة قالوا بأصالة الوجدان لا العقل، ويمكن تسميتهم بـ:”الوجدانيّين”، ومؤيّدي:”الحسن والقبح العقلي”، وقصدهم من ذلك العقل العملي لا النّظري، فالأخلاق عندهم سلسلة من الاُمور الوجدانيّة غير البرهانيّة، أي أنّها تُدرك بدون حاجة إلى منطق واستدلال، فمثلاً الإنسان يدرك أنّ العدل حسنٌ، والظّلم قبيحٌ، ويُشخّص أنّ الإيثار والشّجاعة أمران جيّدان، الأنانيّة والظّلم والبخل اُمورٌ قبيحةٌ، ولا يحتاج في إدراك هذا المعنى،إلى إستدلال عقلي من خلال دراسة تأثير هذه الأفعال والسّلوكيات في واقع الفرد والمجتمع.
وعليه يجب أن نتحرك من موقع تقوية الوجدان الأخلاقي في الإنسان، ونُزيل من الطّريق كلّ ما يُضعف الوجدان، وبعدها سنرى أنّ الوجدان قاض وحاكمٌ جيّدٌ لتشخيص الأخلاق الحسنة من القبيحة.
المؤيدون: “للحُسن والقُبحِ العقليين”، رغم أنّهم يتكلّمون دائماً عن العقل، ولكن ومن الواضح أنّهم يقصَدون العقل الوجداني، لا العقل الإستدلالي، فهم يقولون إنّ حُسن الإحسان، وقبح الظّلم في الدائرة الأخلاقيّة لا يحتاج فيهما إلى دليل وبرهان، فالإنسان السّليم النّفس يعيش هذه المفاهيم الأخلاقية، من موقع الوضوح في الرؤيّة والبداهة، وعلى هذا فإنّهم يقولون بالأصالة للوجدان في دائرة الأخلاق.وهنا يجدر السؤال ماذا إذا كان الوجدان فاسداً ويرى بالقبيح حسناً وبالحسن قبيحاً كوجدان الطغاة لذلك فنحن بحاجة الى مصدر أخر كي يبين لنا القبيح من الحسن وهو الشريعة الإلهية للخالق جلّ وعلا لأن الخالق أعرف بنفوس المخلوقين منهم أنفسهم.
كما إن الكثير من المؤيدين للحسن والقبيح لا ينكر سكوت الوجدان عن بعض الاُمور،وعدم إدراكه لها،وهنا يجب الاستعانة بالشّريعة والوحي لفصل الاُمور الأخلاقية عن غيرها.بالإضافة إلى ذلك،إذا ورد تأييد من الشّرع لما حكم به العقل،فإنّ ذلك سيكون عاملاً مهماً في ترسيخ هذه المفاهيم في عالم الوجدان،وترجمتها على مستوى الممارسة والعمل.
الخلاصة
بعد الإشارة إلى أهمّ المذاهب الأخلاقية تتبيّن خصوصيات المذهب الأخلاقي الإسلامي بصورة كاملة،إذ يرى أنّ: أساس هذا المذهب الأخلاقي،هو الإيمان بربوبيّة الله تعالى،الذي هو الكمال المطلق ومُطلق الكمال وأوامره ساريةٌ وجاريةٌ على جميع الوجود،وكمال الإنسان في تطبيق صفاته الجلالية والجماليّة،والقرب من الله تعالى أكثر فأكثر”.
وهذا لا يعني أنّه لا أثر للصفات الأخلاقية في إنقاذ الإنسان والمجتمع البشري،من عناصر الشّر وقوى الإنحراف،ولكن وفي نظرة إسلاميّة عالميّة صحيحة،انّ العالم وحدة متماسكة،وانّ واجب الوجود هو قُطب هذه الدائرة،وما عداه مُتّصل به ومُعتمد عليه،وفي الوقت نفسه هناك علاقة وإنسجام تام بين المخلوقات،فكلّ شيء يساعد على إصلاح المجتمع البشري وتطهيره من البؤر وأشكال الخلل الأخلاقي،سيكون عاملاً مؤثراً في إصلاح الفرد في دائرة السّلوك الأخلاقي، وبالعكس.وبعبارة اُخرى: إنّ القيم الأخلاقيّة لها إزدواجيّة في التأثير،فتصنع الفرد والمجتمع على السّواء،والذين يتصورون أنّ المسائل الأخلاقيّة هدفها الغير وليس النّفس على اشتباه كبير،لأنّ مصلحة الإثنين في الواقع واحدةٌ،لا تتجزّأ إلاّ في مراحل مقطعيّة محدودة وقصيرة.




